ما بعد الأفق الرقمي: الجاهزية الاستراتيجية في عصر القرار الذكي
البروفيسور يوسف العساف
15-01-2026 10:33 AM
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد استشراف المستقبل ترفًا فكريًا أو خيارًا مؤجلًا، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في بناء الجاهزية المؤسسية وتعزيز القدرة على اتخاذ القرار. فالمستقبل اليوم لا يُنتظر، بل يُصنع من خلال وعي استراتيجي يربط بين الفكرة والأثر، ويحوّل التكنولوجيا من أداة مساندة إلى ركيزة في منظومة القيادة.
يشير المسار الاستراتيجي من الفكرة إلى الأثر إلى أن محاذاة الرؤية مع الاستراتيجية لا تحقق وحدها النتائج المرجوة ما لم تُترجم إلى إجراءات واضحة وقابلة للقياس. فالتجارب المؤسسية تثبت أن جمع البيانات، مهما بلغ حجمها، لا يصنع قيمة حقيقية ما لم يتحول إلى قرارات مدروسة. ومع تطور التقنيات التحليلية، أصبح الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير عنصرًا محوريًا في رفع كفاءة القرار وتقليل المخاطر المصاحبة له.
ويمثل الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI) انتقالًا نوعيًا من نماذج «الصندوق الأسود» التي تصدر قرارات غير مفهومة، إلى نماذج «الصندوق الزجاجي» القادرة على شرح منطقها الداخلي. هذا التحول يتيح للمؤسسات فهمًا أعمق لكيفية اتخاذ القرار، ويسهم في كشف التحيزات، وتعزيز العدالة، وضمان الامتثال للأطر التنظيمية والأخلاقية، خاصة في القطاعات الحساسة ذات الأثر المباشر على المجتمع.
وتبرز القيمة المؤسسية لهذه التقنيات في قدرتها على تعزيز المساءلة وبناء الثقة. فالقرار القابل للتفسير هو قرار يمكن الدفاع عنه وتقييمه وتطويره. كما أنه يقلل من الأخطاء التنبؤية، ويرفع مستوى الاعتماد على الأنظمة الذكية، ليس بوصفها بديلًا عن الإنسان، بل شريكًا داعمًا للعقل القيادي.
وفي موازاة التحول التقني، تواجه المؤسسات تحديًا لا يقل أهمية يتمثل في تمكين المواهب الوطنية. فالتكنولوجيا الرقمية تتحرك بوتيرة أسرع من الأوصاف الوظيفية التقليدية، ما يفرض إعادة النظر في مفاهيم التأهيل وبناء القدرات. ولم يعد إعداد الكفاءات لأدوار ثابتة كافيًا لضمان الاستدامة، بل أصبح التعليم المستمر والمرونة الوظيفية شرطين أساسيين لمواكبة التحولات المتلاحقة.
وتخلص هذه الرؤية إلى أن الجاهزية للمستقبل الرقمي ليست مشروعًا تقنيًا مؤقتًا، ولا مبادرة منفصلة، بل قرارًا استراتيجيًا يعكس نضج القيادة المؤسسية. فالجاهزية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأنظمة أو المنصات الذكية، بل بكيفية اتخاذ القرار اليومي، وبالقدرة على الربط بين البيانات والرؤية، وبين التقنية والقيم.
في عالم ما بعد الأفق الرقمي، يصبح الذكاء القابل للتفسير وتمكين الإنسان ركيزتين أساسيتين لبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار، والتكيف، وصناعة الأثر