العزاء مقام وفاء لا مناسبة دبلوماسية
محمد مطلب المجالي
16-01-2026 01:54 AM
لم يكن عدم استقبال السفير الأمريكي في عزاء المرحوم الدكتور عبدالله الضمور، رئيس بلدية الكرك الأسبق، تصرّفًا عابرًا أو ردّة فعل آنية، بل جاء موقفًا هادئًا ومدروسًا، نابعًا من احترام عميق لتاريخ الفقيد وسيرته الوطنية ومواقفه المبدئية التي عُرف بها طوال مسيرته.
فالراحل لم يكن مجرد مسؤولٍ شغل موقعًا إداريًا، بل كان رجل موقف وفكر، عبّر بوضوح عن رفضه لسياسات الهيمنة والإمبريالية الأمريكية، وانحاز بثبات لقضايا أمته وكرامة شعوبها، مؤمنًا بأن الاستقلال الحقيقي لا يُقاس بحجم العلاقات، بل بصلابة الموقف ووضوح القناعة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على انسجام لحظة الوداع مع إرث الدكتور الضمور كان أمرًا طبيعيًا وواجبًا أخلاقيًا. فالعزاء ليس مساحة للمجاملات الدبلوماسية، ولا ساحة لتبادل الرسائل السياسية، بل مقام وفاء، تُستحضر فيه القيم التي عاش الراحل مدافعًا عنها، ويُصان فيه تاريخه من أي تأويل أو إساءة.
ويُعد هذا التصرف غير مستغرب لمن يعرف سيرة الفقيد ونهجه؛ بل إن حصول العكس كان سيُفسَّر في موقعه تفسيرًا سلبيًا، وقد يُفهم على أنه إساءة لتاريخ الدكتور الضمور، ولعشيرته، ولكافة أبناء الوطن، ولكل الشرفاء الذين يرون في الموقف المبدئي قيمة عليا لا تقبل المساومة أو التوظيف.
لقد اختار أهله ومحبوّه أن يكون الصمت في هذا المقام أبلغ من الكلام، وأن يكون الموقف انعكاسًا صادقًا لتاريخ رجل لم يساوم ولم يبدّل، ولم يغيّر بوصلته تحت أي ظرف. ويمكن النظر إلى هذا الموقف بوصفه وصية معنوية للفقيد، تُذكّر بأن الوفاء لا يكون بالشكليات، بل بالثبات على القناعات حتى بعد الرحيل.
رحم الله الدكتور عبدالله الضمور، الذي علّمنا أن بعض المواقف لا تحتاج إلى تبرير، وأن احترام التاريخ يكون أحيانًا في الامتناع، حين يكون الامتناع أصدق من الحضور، وأقرب إلى معنى الوفاء.