الأمن وكلفة الجغرافيا على فاتورة الاقتصاد
محمد حسن المومني
15-03-2026 12:13 PM
في بعض الاقاليم تبقى الحرب شأنا عسكريا حتى وهي مشتعلة. اما في الشرق الاوسط فالحرب سرعان ما تصبح مسألة طاقة وشحن وتأمين واسعار واستثمار وسياحة وسلاسل امداد. وهذا بالضبط ما يجعل الجغرافيا في منطقتنا ليست مجرد موقع على الخريطة بل كلفة يومية تدفع نقدا في السياسة والاقتصاد معا.
ما نشهده اليوم اعاد تذكير العالم بحقيقة مفادها أن المنطقة ليست فقط ساحة صراع بل عقدة مرور وممرات ومصالح حيوية. وحين يتعرض البحر الاحمر او الخليج او اي ممر مائي مؤثر للاهتزاز لا تبقى المشكلة محصورة في الدول المطلة عليه. ترتفع الكلف على الجميع؛ شركات الشحن واسعار التأمين وزمن التوصيل واسعار الطاقة وثقة الاسواق. والحرب هنا لا تحتاج الى ان تغلق الممر بالكامل حتى يحدث الضرر؛ ويكفي ان تجعل المرور اكثر خطورة وكلفة وترددا.
من هذا المنطلق لا يصح الفصل بين الامن والاقتصاد. الدولة التي تتعامل مع اضطراب الممرات بوصفه مسألة تجارية فقط تقرأ نصف الصورة. اما النصف الاخر فهو ان كل ضغط على التجارة والطاقة والتموين والسياحة ينعكس مباشرة على الاستقرار الداخلي. في دول المنطقة الاقتصاد ليس ملف رفاه بل جزء من بنية التماسك الوطني. وكل زيادة في الكلفة تضع الحكومة والمجتمع امام اختبارات اضافية.
في الاردن هذه المعادلة واضحة وحادة. البلد ليس صاحب فائض طاقة يخفف عنه الصدمات ولا يملك هامشا واسعا لتحمل ارتباك طويل في التجارة والنقل والتمويل. ميناء العقبة ليس مجرد منفذ بحري، بل هو شريان استراتيجي. والسياحة ليست قطاعا ثانويا؛ هي جزء من التوازن الاقتصادي. وحركة الاستيراد والتصدير ليست ارقاما في الجداول بل مسألة تمس الاسعار والتموين والعمل والاستقرار الاجتماعي.
لهذا فان اي قراءة اردنية ناضجة لما يجري يجب ان تبدأ من فكرة حماية الاقتصاد في هذه المرحلة. فهي ليست مهمة فنية فقط بل مهمة سيادية. المطلوب ليس انتظار ان تهدأ المنطقة بل بناء مرونة عملية تحت النار. تنويع المسارات ورفع الجاهزية اللوجستية وادارة المخزون بحكمة ومتابعة اثر التوتر على السوق المحلي اولا باول وعدم ترك الاقتصاد مكشوفا بالكامل لتقلبات الاقليم.
هنا تظهر ايضا قيمة التنسيق بين المؤسسات. ما يحتاجه البلد ليس حلولا قطاعية منفصلة بل غرفة فهم واحدة تربط الامن بالاقتصاد. لان الحدث الذي يبدأ في البحر قد ينتهي في السعر على الرف والذي يبدأ في التوتر العسكري قد يظهر في قرار استثماري مؤجل او في موسم سياحي متعثر. هذه ليست مبالغة بل وصف لطبيعة الترابط الحالي.
في النهاية تعيد الحرب دائما ترتيب الاولويات. وفي لحظات كهذه لا يكون الاقتصاد ملفا لاحقا للامن بل احد اشكاله الاساسية.