عن مواقعِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ والثَّقافة
أمل المشايخ
16-01-2026 02:03 AM
في الأوساطِ الثَّقافيَّةِ يُثارُ سؤالٌ أو تساؤلٌ: هلْ أثَّرت (السوشال ميديا) على الثَّقافة سلبًا أم إيجابًا؟.
يتبدّى لي من السؤال أنَّه يتوقَّعُ ما هو كائنٌ منْ حالِ الثَّقافةِ وليسَ ما هو منتظرٌ منْ دورِ (السّوشال لميديا)، وإجابةً على ذلك أقول: لستُ من الذين يميلون إلى حملِ العصا من المنتصفِ، ولستُ ممَّن يجنحُ إلى الإجاباتِ الصّارمة؛ ولكنَّها محاولةٌ لوضعِ الأمورِ في نصابِها الطَّبيعيِّ.
دعوني أعودُ للقضيَّةِ منْ بداياتِها؛ فقدُ أنشأتْ هذه المواقعُ للتَّواصلِ الاجتماعيِّ وليسَ الثَّقافيَّ، ولكنَّنا ولغيابِ منابرِ التَّعبيرِ أصبحتْ هذه المواقعُ منبرَ مَنْ لا منبرَ له، ويكفي تصفُّحٌ لبعضِ منشوراتِ الأصدقاءِ غيرِ العربِ؛ لنتبيَّنَ منْ هذه المنشوراتِ أحاديثَ وحواراتٍ اجتماعيَّةً وصورًا يتبادلُها أصدقاءُ يبدو أنَّهم يعرفون بعضَهم معرفةً حقيقيَّةً، ولمْ أعثرْ على مقطعٍ منْ قصيدةٍ أو روايةٍ – مثلًا – على صفحاتِهم.
وللحقِّ فقدْ تعرَّفتُ بالكثيرِ من الرَّوابطِ لصفحاتٍ ومواقعَ ثقافيَّةٍ وكتبٍ ودراساتٍ ممّا كانَ له الأثرُ العظيم والفائدةُ الكبيرةُ، إضافةً إلى مناقشاتٍ وحواراتٍ على صفحتي وصفحاتِ الأصدقاءِ، ولكنَّ إصرارَ الكثيرين على أنْ يكونوا كتّابًا وشعراءَ ظانّين أنَّ ذلكَ يصنعُ نجوميَّةً جعلَ هذا الفضاءَ يزخرُ بالغثِّ على حسابِ السَّمينِ، بلْ أصبحْنا نجدُ صعوبةً في تمييزه، وينضوي تحتَ هذا الموضوعِ - أيضًا- السِّرقاتُ الأدبيَّةُ التي جعلتْ عددًا من الأصدقاءِ ينشؤونَ صفحاتٍ لفضحِ هؤلاءِ الأدعياءِ الذين يحاولونَ أنْ يأخذوا شهرةً على حسابِ غيرِهم من المبدعين في هذا الفضاء الإلكترونيّ، والسَّببُ أنَّه لا شروطَ لإنشاءِ حسابٍ على هذه المواقعِ، فكلُّ ما عليكَ أنْ تدخلَ اسمًا - وإنْ كانَ مستعارًا - وكلمةَ مرورٍ.
وبالطَّبعِ يشكو عددٌ من الأصدقاءِ ممَّا يُنشر على مواقعِ التَّواصلِ ويرون أنَّ كثيرًا منه غُثاء لا طائلَ تحته، ويشكو آخرون منْ أنَّ هذه الملصقاتِ تحظى بأعدادٍ كبيرةٍ منْ علاماتِ الإعجابِ، وفيضٍ من التَّعليقات قياسًا بموادَّ حقيقيةٍ لا تحظى بنصفِ ولا ربعِ ما تحظى به هذه الملصقاتُ (الرَّديئةُ)..... والذي أراه أنَّه لا ينبغي أنْ يقلقَنا ما ينشرُ على مواقع التَّواصل وإنْ هبطتْ سويَّتُه الفنيَّةُ؛ لأنَّ هذه الأعمالَ ستسقطُ في ميزانِ النَّقدِ الحقيقيِّ الذي هو فنٌّ بنكهةِ العلم، له مقاييسُه وله شروطُه؛ وحينئذٍ لنْ يُعتدَّ بها وإنْ تراكمتْ؛ لأنَّ الزَّبدَ يذهبُ جُفاءَ، وما ينفعُ النَّاسَ يمكثُ في الأرضِ ...
أمَّا تربيةُ الذّائقةِ فهنا تكمنُ خطورةُ آلةِ الإعلامِ ومواقعِ التَّواصلِ خصوصًا؛ إذْ إنَّ انتشارَ الثَّقافةِ (الشَّعبويةِ) جعلت الجماهيرَ - في كثيرٍ من الأحيانِ- تُجمعُ على ما هو تافهٌ، وتنأى عنْ ما هو جادٌّ وعميقٌ أوْ قلْ حظُّه أقلُّ القليلِ من المشاهدين أو المستمعينِ أو القرّاءِ ... ما هو مرئيٌّ منْ أجهزةِ الإعلامِ، وما يبثُّ على مواقعِ التَّواصلِ غيَّبَ دورَ الكتابِ، ولمْ يكنْ بديلًا أمينًا له، فوجدنا أنفسَنا أمامَ جيلٍ لا هو بقارئٍ ولا هو أحسنَ اختيارَ ما يشاهدُ أو يسمعُ؛ فكانَ ما يجنيه قشورًا منْ علمٍ، وقشورًا من ثقافةٍ منْ حيثُ كانَ ينتظرُ منْ هذه الميديا المتعددِّةِ العكسُ والعكسُ تمامًا....
"لا تجعلوا من الحمقى مشاهيرَ" نداءٌ يعلو في مواقعِ التَّواصلِ؛ لأنَّ بعضَهم بمنشورِ رديءٍ واحدٍ في هذه المواقعِ حقَّقَ شهرةً واسعةً منْ خلالِ آلافِ المتابعين لمنشوره.
وبالطَّبعِ لا نعدمُ بصيصَ أملٍ في الأفقِ، ولا بدَّ من حلٍّ لكلِ مشكلةٍ بالرَّويَّةِ والحكمةِ؛ وذلك بتخصيصِ ساعاتٍ محدَّدةٍ من الَّليلِ أو النَّهارِ لمتابعةِ هذه المواقعِ، إضافةً إلى الاقتصادِ في النَّشرِ والتَّعليقاتِ؛ لأنَّ الديمومةَ للكتابِ والقراءةِ المعمَّقةِ الأصيلةِ، وليسَ لمنشورٍ طائرٍ على مواقعِ التَّواصل التي بدا بعضُها يشهدُ تراجعًا لحسابِ مواقعَ أخرى، ومواقعَ سيتمُّ إنشاؤها في المستقبلِ.