ليلة الإسراء والمعراج المباركة .. رحلة الإيمان والنور
فيصل تايه
16-01-2026 09:06 AM
انها ليلة الإسراء والمعراج، الليلة التي لا تشبه غيرها من ليالي التاريخ، كان فيها الكون كله في حال إنصات، كأن السماء أرجأت ضجيجها، وكأن الأرض حبست أنفاسها انتظاراً لحدث سيظل خالداً ما بقي الإيمان في القلوب.
في تلك الليلة المباركة، أُسرِي بالنبي محمد (ص) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلا، في رحلة لم تكن مجرد انتقال في المكان، بل ارتقاء في المعنى، وسمواً بالروح، وتكريماً لإنسان اصطفاه الله ليحمل أثقل رسالة وأعظم أمانة.
لم تكن الإسراء والمعراج معجزة لدهشة العقول فحسب، بل كانت بلسماً إلهياً لقلبٍ أنهكته المحن ، فجاءت بعد عام مثقل بالحزن، بعد الفقد، وبعد الإيذاء، وبعد أن ضاقت الأرض بما رحبت، فجاء الفرج من السماء ، وكأن الرسالة كانت واضحة: حين تغلق أبواب الأرض، فإن أبواب السماء لا تغلق أبداً أمام الصادقين.
في تلك الرحلة، لم يكن النبي (ص) وحده هو الذي ارتقى، بل ارتفعت معه قيمة الإنسان المؤمن، وتجلت مكانته عند خالقه ، فرأى من آيات ربه الكبرى ما تعجز اللغة عن وصفه، والتقى بالأنبياء، ومرّ بمقامات لم يبلغها بشر قبله، في مشهد يفيض بالرهبة والجلال، لكنه في جوهره كان مشهد رحمة، لا استعراض قوة ، فالله لا يحتاج أن يبهر عباده، لكنه يطمئن قلوبهم.
وفي ذروة هذا العروج، فرضت الصلاة ، فلم تفرض في الأرض، بل فُرضت في السماء، وكأنها أرادها الله أن تكون صلة دائمة بين العبد وربه، وجسراً يومياً يعبر به الإنسان من ضيق الدنيا إلى سعة الطمأنينة ، فالصلاة لم تكن عبئاً ، بل هدية، ولم تكن تكليفاً قاسياً، بل وعداً بالسكينة، ومفتاحاً للثبات في عالم لا يكف عن الاضطراب.
الإسراء والمعراج ليست قصة تروى مرة في العام ثم تنسى، بل هي منهج حياة ، تعلمنا أن الابتلاء لا يعني الهزيمة، وأن الصبر ليس ضعفاً، وأن الطريق إلى الله قد يمر عبر الألم ، لكنه ينتهي دائماً بالنور ، اذ تعلمنا أن العدل الإلهي لا يغيب، وأن الرحمة تسبق الغضب، وأن بعد كل عسر يتهيأ يسر لا يشبهه شيء.
وفي قلب هذه الرحلة، يبرز المسجد الأقصى، حاضراً لا كجغرافيا فحسب، بل كقضية وضمير ورسالة ، فهو جزء من العقيدة، ورمز للرباط الروحي بين السماء والأرض، وتذكير دائم بأن المقدسات ليست تفاصيل هامشية في حياة الأمة، بل جوهر هويتها وامتحان وعيها ومسؤوليتها التاريخية.
حين نتأمل الإسراء والمعراج بعمق، ندرك أن السمو الحقيقي لا يكون بكثرة ما نملك، بل بصدق ما نؤمن به ، وأن الارتفاع ليس في المناصب ولا في المظاهر، بل في نقاء القلب، وثبات المبدأ، وقرب الإنسان من ربه ، إنها رحلة تعلمنا أن الإنسان يمكن أن يحاصر في الأرض، لكنه لا يقهر ما دام قلبه متصلاً بالسماء.
وفي ذكرى هذه الليلة المباركة، نحن أحوج ما نكون إلى استحضار معناها الحقيقي ، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نتمسك بالصلاة نوراً يومياً، وباليقين سلاحاً، وبالصبر طريقاً ، وأن نؤمن أن الله لا يخذل من أحسن الظن به، ولا يترك من صدق التوكل عليه.
ونسأل الله في هذه الليلة المباركة، ليلة الإسراء والمعراج، أن يفيض من نوره على أهلنا في فلسطين، وفي غزة الصابرة الجريحة، أن يربط على قلوبهم، ويجبر كسرهم، ويكون لهم سنداً وعوناً ونصيراً ، اللهم كن لهم في ليلهم الثقيل، وفي خوفهم، وفي جوعهم، وفي دموعهم التي لا يراها العالم ، اللهم احفظ أطفالهم، وداو جراحهم، وامنحهم من لدنك صبراً يليق بعظيم بلائهم، ونصراً يليق بعدلك، وسلاماً لا يكسر ، اللهم اجعل من معاناتهم رفعة، ومن صبرهم نوراً، ومن دمائهم حياة وكرامة، واكتب لهم فرجاً قريباً يداوي القلوب ويعيد للإنسانية معناها.
وفي ختام هذه الذكرى العظيمة، نرفع أكفّ الضراعة كما رفعها النبي (ص) ، وندعو بالدعاء الذي يختصر معنى الرحلة كلها نوراً وهداية: "اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً ، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، واجعل لي نوراً ".
نسأل الله أن يجعل لنا من هذه الليلة نصيباً من الطمأنينة، ومن نور الإسراء هداية، ومن معنى المعراج سمواً ، وأن تبقى قلوبنا معلقة بالسماء مهما أثقلتنا الأرض، ثابتة على الحق، واثقة بأن النور لا ينطفئ ما دام الإيمان حياً في الصدور.