ليس من الضروري أن نتفق مع الولايات المتحدة في كل سياساتها، ولا أن نبرّر كل مواقفها الخارجية، لكن من غير المنصف — بل من غير الواقعي — أن ننكر دورها كشريك وحليف وداعم استراتيجي للأردن عبر عقود طويلة.
العلاقة الأردنية-الأمريكية ليست علاقة عاطفية أو ظرفية، بل علاقة مصالح واضحة ومتبادلة. الولايات المتحدة قدّمت للأردن دعمًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا مستمرًا، وأسهمت في استقرار الدولة في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا. هذا الدعم لم يكن يومًا رمزيًا، بل كان عمليًا ومباشرًا، وظهر في أوقات صعبة وحساسة مرّ بها الوطن.
قد نختلف مع بعض السياسات الأمريكية الخارجيه ، وقد نرفض بعضها رفضًا قاطعًا، وهذا حق مشروع. لكن الاختلاف لا يعني محو التاريخ، ولا يعني القفز فوق الحقائق. في لحظات كثيرة، كان الدعم الأمريكي عاملًا أساسياً في تعزيز قدرة الأردن على الصمود، وحماية استقراره، ودعم اقتصاده ومؤسساته.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: هل يمكننا اليوم أن نعيش بمعزل عمّا تنتجه الولايات المتحدة؟ من أدوية نعتمد عليها، إلى تكنولوجيا نستخدمها يوميًا، إلى أنظمة ومعرفة تشكّل جزءًا من حياتنا الحديثة. أي انفصام هذا الذي يجعلنا نترقّب ما تصنعه أمريكا، ونستهلكه، ونستفيد منه، ثم نتمنى في الوقت نفسه زوالها؟.
الاختلاف منطقي، بل ضروري. والنقد حق، بل واجب أحيانًا. لكن في خضم الخلاف الفكري أو السياسي، لا يجوز أن نشطب تاريخ دولة كاملة مع الأردن، ولا أن نختزل العلاقة في موقف أو مرحلة أو شعار.
الشعارات الرنانة، والعبارات الحماسية، والهوبرات الكلامية لم تبنِ دولة يومًا، ولم تحمِ وطنًا، ولم تطعم شعبًا. الواقع مختلف تمامًا، والعيش بواقعية سياسية ليس ضعفًا، بل وعي ومسؤولية.
هذا الطرح لا يعني انبطاحًا للغرب، ولا اصطفافًا أعمى مع أمريكا، ولا تبريرًا لكل سياساتها. بل يعني الفصل الواضح بين ما يخدم الأردن وما يضرّه، بين الموقف الأخلاقي والمصلحة الوطنية، وبين الخطاب العاطفي والقرار العقلاني.
بوصلتنا يجب أن تكون دائمًا الأردن، ومصلحة الأردن أولًا وأخيرًا. وما يخدم الوطن نأخذه بوعي، وما يضرّه نرفضه بوضوح، دون إنكار، ودون مزاودة، ودون شعارات لا تغيّر شيئًا على أرض الواقع.