الكرك .. تُلزِمُنَا العودة للكتابة !!
أحمد سلامة
16-01-2026 02:23 PM
وافيت الكتابة منذ عشرات السنين ، واضحت لي وسما وخصما في ذات الوقت ، وبعد ان أحسست ان عمان تلِح على كسر القلم ( لأنني مستمر الكتابة بقلمي الكوبي ) الذي لا يمحى فقد آثرت الصمت واعلنت من على الرصيف الشهي الذي صنعه ذلك النبيل نذير عبيدات لتلاميذ جامعته، أنني لن أكتب بعد اليوم ، كان ذلك قبل نيف واسابيع …
ذلك أنني لا أحب ان أغضب عمان مهما قسى رجالات الدولة على قلمي بالمصادرة مرة ، وبالنفي مرتين ، وبالشطب مرارا ما ارهق الغالي سمير سيد عمون ومبدعها …
ولأول مرة فكرت ان أرسل حروفي خارج الوطن ، لكن لم استطع ان أُلبي نداء الغضب في داخلي ، فلا زلت على يقين ان الكاتب والبلبل واحد لا يستطيع التغريد إلا على ما أحب واعتاد من شجر ، وهذه الشجرة الاردنية هي من انطق حروفنا وسنبقى ممسكين عليها ..
وفي النهاية ياما رجال ظنوا بسطوتهم الظنون وخنقونا وضيقوا علينا، وكانت مصائرهم مؤسفة ، وظلت حروفنا تغني للشجرة الاردنية ..
وبعد … قلت الزم يا ( ختيار ) الصمت حتى تتبدل الرجال علَ الله ان يفتح علينا .
وبالفعل صمت ، صمت اهل الكهف ..
وعلى نحو مفاجئ ، تهب الكرك كعادتها لغسل أدران كل المرحلة بموقف بسيط واحد اعتادت عليه كجزء من تكوينها النفسي على المدى .
غسلت كل آثام المرحلة في عزاء المرحوم الصديق رئيس بلدية الكرك القومي اليعربي النظيف -يرحمه الله- ثمة بشر في موتهم يصنعون فرحة ، وآخرين وهم أحياء يحيلون بأفعالهم الحياة الى عزاء !!
والحق أقول لكم.. أنني وجدت عدم الكتابة عن ( هيات الكرك وهباتها ) شيء يرتقي الى درجة الخذلان الوطني او برومانسية أشد صورة من صور الخيانة ..
في عزاء الضمور العز والعزة.. أحسست ان عمان غيمة مضت شديدة الهول وأوجعتني، وجاءت الكرك ( ورمت معاطفها كالجبال ودفّأتني) !!!
وفي الوقت الذي انشغل فيه وزراء في حكومة الميادين بإشعال نور حملة النظافة في عمان ، فقد جاءت الكرك واضافت جملة كركية على الحملة "نظافة القلوب أولى من نظافة الشوارع" .
فلنبدأ بتطهير القلوب !!!
وعليه قررت ان أطهر القلب من العتب والغضب ، واكتب عن الكرك لان ما فعلته الكرك بجملة واحدة كان ( القطبة الصوفية التطهرية ) التي نفضت عن مجتمعنا كله زيف ادعاءات التغريب كله ..لذا سأكتب عنها وحدها الكرك التي بضربة من سيفها الحريري انهت كل ما يوجعنا ، أنستنا بونسها ، أزمة ( التيه ) في شوارع عمان المدججة بالمركبات الواقفة لساعات ، وفقدان الطهارة في النقد الهدام لكتبة او كسبة لا فرق ، ربطوا مصيرهم بحكومة ، بدل ان يكونوا جند بوابة العرش، وجند الحق في الدفاع عن الاسلام والعروبة والوطن .
الكرك .. أنستنا جراح غزة لانها صدحت بها من غير لبس وسببت موقفها من الاعتذار لاستقبال سفير القوة الباغية بتردد وخذلان الانسانية لضحايا غزة ..
اكتب عن الكرك .. وجدان العرب وقلعتها الحصينة ، التي صمدت لكل عاديات الاحتلالات والاختلالات والمناخات المتقلبة ، إلا في الشتوة الاخيرة ، والتي كادت ان تزعزع قلعة العرب ، لكن القلعة!!! هيهات للكرك ان تتزعزع إن احدا لن يوقعها لاهمال او اعتداء وسيظل دم سائد المعايطة هو ذلك الخيط الذي يصل شرف شقيقة صلاح الدين الايوبي حين قطع ( ارناط ) إربا إربا.. الى احباط وايقاف داعش عند حدهم .
ذلك خيط دم كركي مقصود رسمه القدر وارادة الله ان يكون كركيا لتدوم الملحمة الكركية حتى آخر الدهر ..
الكرك .. وافيتها ذات ضحى هاشمي في معية الحسين صحفيا في الرأي الحبيبة ، كان ذلك عام ١٩٨٠ م واشتد وطيس قصة الوطن البديل التي يكررها العدو اليهودي كل عقد مرة، وقام الحسين يرحمه الله بجولة على المخافظات الرئيسية وكان من حسن حظي انني كنت هناك في اربد ، وفي السلط وكذلك في الكرك ... يا لونس الكرك .. من ابو حمور حتى آخر مفترق مدرسة كانت قد انجزت للتو اظنها صناعية او مهنية وكان الغداء فيها ..
فرس فاتنة .. اهديت للحسين محجلة صهباء من عشائر الطراونة وغيرها من المعايطة وثالثة مجالية تمشي الهوينا ونصبت الخيام على الجانبين .
كان الحسين متوردا وسيما شابا يطفح عروبة ولغة وحبا .. ومعه مضر بدران والمشير الذي كتيبته ( قشت الاخضر واليابس ) وعاد مرفوع الهامة بعد ان جعل من ( باب وواد ) جبلا من كبرياء وقلعة مباهاة في الدفاع عن القدس .. هل احتاج ان اسميه ؟!! كل الاردنيين يعرفون طلته وبسمته "المشير الناصح الصادق المغوار حابس" ..
وكان مضر ابو البناء والتعمير الذي جنبنا ذل السؤال عن القمح ببناء صوامعه ..وكان ابو شاكر ..وكان وكان ..
رجالات دولة يخفق العلم رهبة وهيبة حين يعانقونه .. كان الزميل الاستاذ احمد جميل شاكر الذي كان احد ارومته قد تشرف بمصاحبة الشريف الحسين بن علي
في آخر جولة في بلادنا له قبل النفي حين زار المرشرش عن صحيفة الدستور، وكنت ومجيد عصفور عن الرأي، وكان نجم المرحلة المرحوم محمد امين
هو الذي وحده يناديه الحسين باسمه ..
كان رئيس بلدية الكرك هو المرحوم حمدي الحباشنة ..وعلى الغداء وحين كان يقف المرحوم صبحي جبري ( ابو محمد ) يشرف على مناسف الغداء تحلق
من حول الحسين حابس ، وحمدي ، ومضر باشا ، وابو شاكر ظل يسأل الحسين رحمه الله عن تفاصيل كركية لا يعرفها إلا الحسين وعشاق الكرك
وحمدي الحباشنة يجيب .. ووصل الامر الى عدد المساجد والوعاظ واشياء ذات صلة، وامتدح حمدي ارتفاع نسبة التدين والاقبال على المساجد ،وعلى حين
فجأة ، تطلع الحسين يرحمه الله الى حابس باشا -كيف التقت عين القائد الأعلى بعيني المشير؟- كان ذلك ودا وحبا يحتاج الى بحث لنيل الدكتوراة فلا يعرف الشوق إلا من يكابده.. ثمة فرح وشغف وصدق ونبل في عيني ( التابع والمريد ).
حين استذكر تلك النظرة دوما أقول :كيف صمد هذا الوطن في وجه كل أعاصيره !؟ .
كانت العينان حين ملاءهما الضحك حد القهقهة لما سأل الملك رحمه الله حابس :" شو يا باشا ما نسمعه عن الكرك شي جديد؟ !! ،
فرد حابس باشا وكان مستمرا في تقطيع اللحم امعانا في الولاء والكرم والشيخة ايضا قدام الحسين أجاب : والله يا سيدي حمدو ( هكذا لفظها ) وقال كلمة لها علاقة في المبالغة ، واضاف الكرك على حالها الولاء للعرش عبادتها ، والاخلاص للملك حدائها ، والتضحية للوطن وفلسطين هاديها ..
لم اعثر على تعريف للكرك أعذب وأدق وأشهى من هذا التعريف الذي وشمه حابس أمام الحسين عام ١٩٨٠ م .
ومضى حمدي الى رحاب ربه وجاء مدالله الجعافرة صديق الحب رئيسا للبلدية كان هو من رأسها حين وقعت الهبة سنة ١٩٨٩ م وذهبت لأحاوره مع كارولين فرج
حول الهبة وقال كلاما كبيرا على رأي المصريين !!
داعبته على الغداء بالقول: والله يا مدالله الكرك حزينة معقول تنتقل بلديتها من رحمة دليوان لك ؟!
فرد علي بجملة ظلت نقطة وعي في عقلي: احمد سلامة اسمع يا نابلسي انت وجدان الكرك لا يصنعه دليوان ولا حمدي ولا مدالله وجدان الكرك هو من بصنع رجالاتها .. وهل بعد الكرك من وجدان في الكون !!؟
بعدها .. جاء رئيسا للبلدية الدكتور عبدالله الضمور رحمه الله ، دوما كان هادئا نبيلا في صمته وكان صمته فعلا وفعله صمتا ، ما كان يبدو منه كركيته وعروبته وتعلقه بالعراق وادانة المحتلين ..
واليوم وفي موته رحمه الله كتب بخيوط كفنه آخر وصية له كركية حاسمة واضحة .. ما هي اهمية ما فعله شباب وشيوخ الضمور باعتذارهم عن استقبال السفير في العزاء .
قالوا لنا مرة اخرى .. الكرك هي القلعة وهي صانعة الصد عن الوطن والعرش والسلالة مهما استبدت عمان بالمشهد والكرك هي اول طلوع الفجر ليس الان
وليس امس وليس غدا ، بل في كل الأزمنة تخترق المألوف وتتمرد على النص السائد.. وهي الشريك التي صنعت للوطن سيفا وترسا .
أنا لا أقول كلاما مرسلا، بل أاكرر مواقف يعرفها من يريد ان يقرأ التاريخ .. مخطئ من لا يتقن علم التلاوة الكركي ..
الكرك دوما تنبه وهي اول من يؤشر ، وإني لأنصح بصدق ان تجري اعادة قراءة للهية وللهبة ولانتفاضة الخبز ولرفض استقبال السفير.. ثمة خيط
إما يطبق على الأعناق لمن لا يحسن الانصات الى التلاوة الكركية وتكون خسائرنا الوطنية فادحة لا سمح الله ، وإما ان نمسك بطرف الخيط الكركي
ونضع الأذن على المصطبية لنسمع الهزيع لنتعلم من الشكوى السامية التي عادة تقولها الكرك .
أيها النبلاء.. من مدرسة الميدان تنبهوا واستفيقوا فأول العتب الاعتذار في استقبال سفير.. لولا بعض حياء عندي لناشدت من لهم مصلحة في الابقاء على الوطن كما وصفوه ( آمنا مطمئنا قويا عزيزا ) ..
الكرك قالت حكمتها فبماذا تجيبون !!؟