facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سردية الاردن تاريخ وحضارة 1


د. أحمد عويدي العبادي
16-01-2026 05:45 PM

سردية الأردن معنى الكلمة وتاريخها

معنى كلمة «الأُرْدُنّ» في اللغة العربية

كلمة الأُرْدُنّ (بضم الهمزة، وسكون الراء، وضم الدال، وتشديد النون) من الألفاظ العربية الأصيلة التي حفظتها المعاجم القديمة، ولم تَرِد بوصفها اسمًا جغرافيًا مجرّدًا، بل باعتبارها لفظًا ذا بنية دلالية عميقة ارتبطت بالأرض والمكان والوظيفة الحضارية منذ أقدم العصور.

وتدور دلالات هذه الكلمة في جوهرها حول معاني القوة والشدّة والصلابة والمتانة، وهي معانٍ متجذّرة في الوعي اللغوي العربي ومتّسقة مع توصيف الأرض والموضع في الاستعمال العربي القديم.

استُعملت كلمة الأُرْدُنّ للدلالة على الأرض الشديدة الصلبة، والانسان الشجاع الصلب، فيُقال: أرضٌ أُرْدُنّ، أي أرض عصيّة لا تُنال بسهولة، قوية البنية، ثابتة الأساس. ولم يكن هذا الوصف مادّيًا محضًا، بل انطوى على معنى المنعة والتحصّن، إذ إن الصلابة في التصوّر العربي تقترن بالحماية والأمان والاستقرار.

ومن هذا الأصل اللغوي تَشكّل تطوّر دلالي طبيعي جعل الأُرْدُنّ يُفهم بوصفه موضعًا حصينًا، أو قلعةً طبيعيةً محروسة، لا من حيث البناء وحده، بل من حيث الموقع الذي تفرض طبيعته الحراسة والدفاع.

كما حمل اللفظ معنى الغِلَظ والمتانة، سواء في وصف الأرض أو الخِلقة أو الطبع، وهو استعمال عربي معروف تنتقل فيه صفات المكان إلى الإنسان والعكس، في علاقة انعكاس دلالي حيّ. فالغلظ هنا لا يدل على القسوة، بل على الرسوخ والقدرة على الاحتمال، وهما شرطان لازمان لكل عمرانٍ مستقر.

ومن دقّة اللسان العربي أن كلمة الأُرْدُنّ لم تُحصر في معنى الشدّة وحدها، بل ارتبطت كذلك بمعنى الخصب المصاحب للقوّة؛ أي الأرض التي تجمع بين الصلابة والعطاء في آنٍ واحد. فالأرض الأُرْدُنّ ليست أرضًا قاحلة، بل أرض قادرة على الإثمار، لأن الشدّة في هذا السياق ليست نقيضًا للخصوبة، بل شرطًا من شروطها.

وانطلاقًا من هذا الأصل الدلالي المتماسك، استُعمل الأُرْدُنّ اسمًا عَلَمًا جغرافيًا قديمًا، فأُطلق أولًا على النهر المعروف، ثم غلب استعماله علمًا على الإقليم، في انسجامٍ نادر بين الاسم ومعناه، وبين اللفظ والمكان الذي يدلّ عليه.

فالأُرْدُنّ: اذن هو الاسم الذي جمع المتناقضات واستقام بها المكان، وأول مكان في الأرض حمل الاسم من اهله

الأُرْدُنّ في اللغة العربية ليس اسمًا جغرافيًا عابرًا، ولا تسميةً اصطلاحيةً محايدة، بل هو اسمٌ دلاليٌّ كثيف، تتراكب فيه الطبقات اللغوية والبيئية والنفسية والحضارية، حتى يكاد يكون من الأسماء النادرة التي تحمل نقيضها في ذاتها دون أن تتهافت. فالأُرْدُنّ هو الاسم الذي جمع الاضداد والمتناقضات، لا على سبيل التضادّ الفوضوي، بل على سبيل التوازن الطبيعي الذي تُنتجه الجغرافيا الحيّة والشعوب العريقة.

يدلّ الأُرْدُنّ في أصله العربي على الشدّة والرسوخ والمتانة؛ فهو الأرض الصلبة، والصخر القاسي، والموضع العصِيّ الذي لا يُنال بسهولة. ومن هذا المعنى تفرّعت دلالة التحصّن والحراسة، فكان الأُرْدُنّ هو المحروس والحارس معًا؛ محروس بطبيعته، وحارس بما يفرضه موقعه وبناؤه الجغرافي. ومن هنا صحّ أن يُفهم الأُرْدُنّ بوصفه قلعةً طبيعيةً محروسة، لا جدار لها سوى الأرض وحماية أهلها لها، ولا حارس لها بعد الله الا صبيعة المكان وطبيعة أهلها اهل الشدة والبأس .

غير أنّ الشدّة في العربية لا تنفصل عن السكون، ولا تتعارض مع الطمأنينة. فالأُرْدُنّ يعني كذلك الأمن، والطمأنينة والهدوء والسكينة والانتعاش، والنعاس، الذي لا يأتي من التعب، بل من الاطمئنان، كما يغشى الآمن حين يستقر في موضع لا خوف فيه. فالأُرْدُنّ أرضٌ تُثقِل الجفن لأن القلب مطمئن، وتُسكن الروح لأنها مأمونة، وكما يقولون (النعاس سلطان، والأردن سلطان أيضا والسلط سلطانة).

قال الشاعر: وقد علتني نعسة الأردن ** وموهب مبر بها مصن، ومعناه (غمرني هدوء الأردن وطمأنينته، فهو أرض عطاء وخير، محفوظة ببرّها وأخلاقها، عصيّة على الانكسار.) النعسة: هنا سكينة وجدانية لا غفلة. واما الأردن هنا: فهو حالة حضارية وروحية، لا مجرد مكان. واما موهب مبر مصن: فهي ثلاثية دلالية (العطاء (موهب / من الهبة) – (مُبْر / من البِرّ / الخير)، واما مُصِنّ أي مصان بالحماية ).

هكذا يقول اللغويون أن الأردن النعاس ويستشهدون بهذا الرجز، فضلا عن ان أن الأردن تعني الشدة والغلبة، وتعني الملاذ الامن، وتعني المكان المبارك وتعني المكان المقدس وتعني العشيرة القوية

وفي دلالته المائية، يحمل الأُرْدُنّ معنيين متقابلين لا يتنافيان:

فهو الماء الصافي النقي الزلال المبارك حين يستقر، وهو كذلك الماء المنحدر من ارتفاع الى انخفاض أي المتدهور المحمول بالكَدَر حين يفيض. وحينها فان الأُرْدُنّ يعني الماء الذي يحمل الأتربة والرواسب في زمن الفيضان، ثم يصفو إذا هدأ، وكأن اسمه يجمع الطهر والكدر بوصفهما حالتين طبيعيتين لدورة واحدة. ومن هنا جاء معنى الترسّب والانحدار، فالأُرْدُنّ هو المتدهور صفةً، لا نقصًا، بل حركةً وحياة.

ويحمل الاسم دلالة الملوحة والعذوبة معًا؛ فماؤه قد يكون عذبًا في منابعه، وملحًا في مصابّه، دون أن يفقد هويته، ونى ذلك في عذوبة مياهه ومرارة ملوحة مياه البحر الميت، والاردن يعني الحامي والبارد حيث الينابيع الساخنة مقابل المياه الباردة . وهو كذلك اسم يجمع الارتفاع والانخفاض؛ من قمم شاهقة إلى أخفض بقاع الأرض، وكأن الجغرافيا كلّها قد انطوت في لفظ واحد. ويحمل اسم المرارة والحلاوة فملحه مر وكذلك حنظله، وعسله حلو وكذلك اعنابه ورُطَبِه، ولوزه مر وتمره حلو.

كما يدلّ الأُرْدُنّ في معناه على الرمل والتراب، وعلى الصخور القاسية في آنٍ معًا؛ أرضٌ قد تكون لينةً حاضنة، وقد تكون صلبةً مانعة. وهو موضع النسيم العليل حين يهدأ، وموضع العواصف والزلازل حين تثور الأرض، لأن الاستقرار الحقيقي لا يُعرف إلا بوجود القوّة الكامنة تحته.

ومن أعمق دلالاته ما يتصل بالبعد الرمزي والروحي؛ فالأُرْدُنّ يدلّ على الأرض المقدّسة، والأرض الباركة، وعلى الطهارة والنقاء، لا لأنّه منزّه عن التحوّل والتغير، بل لأن التحوّل والتغير فيه لا يُفسد جوهره. وهو كذلك يحمل معنى المحبّة ومعنى الثأر؛ محبّة الأرض لأهلها، والعشائر لبعضها، وثأرها ممن ينتهك حرمتها، في توازنٍ أخلاقيٍّ عميق تعرفه العشائر والجغرافيات الحيّة والتاريخ العميق .

ومن معاني كلمة الأردن ورد الدحنون والورد البري برمته ومختلف الوانه وبخاصة الورد الأحمر؛ رمز الحياة المتجدّدة في أرض قاسية، وإلى الخصوبة التي تولد من الصبر، وإلى الغابات المثمرة التي لا تقوم إلا حيث يجتمع الماء والأمن والاستقرار والمناخ الطيب.

لهذا كله، فإن الأُرْدُنّ هو الاسم الوحيد الذي جمع المتناقضات واستقامت فيه:
المقدّس والدنيوي،
العذب والمالح،
الهادئ والعاصف،
المنخفض والمرتفع،
اللين والقاسي،
الصفاء والكدر،
المحبّة والثأر.

وكلّ معنى من هذه المعاني يأخذ موضعه من المكان نفسه، لا اعتباطًا، بل بوصفه انعكاسًا صادقًا لجغرافيا حيّة، وتاريخ متحرّك، وهوية لم تُصنع في الكتب، بل تشكّلت في الأرض.

إن الأُرْدُنّ ليس اسمًا لمكان فحسب، بل اسمٌ لحالةٍ حضاريةٍ كاملة؛ حالةٍ لا تُختزل، ولا تُبسّط، ولا تُنقل، لأنها وُلدت هنا، واستقرت هنا، وصارت اسمًا للمكان كما صار المكان شاهدًا على الاسم.

الأُرْدُنّ: من قلعةٍ على مخاضة… إلى اسمٍ لبلادٍ اكتملت قبل التاريخ

لم يأتِ اسم الأُرْدُنّ من فراغ، ولم يُولد بوصفه اسم نهرٍ أو إقليمٍ ثم اتّسع لاحقًا، بل بدأ من نقطةٍ محدّدةٍ في الجغرافيا، ومن فعلٍ حضاريٍّ واعٍ. فقد نشأ الاسم من القلعة التي شيّدتها مملكة بيريا الأردنية على مخاضة داميا الحالية، تلك النقطة الحاسمة التي كانت تمثّل موضع العبور والسيطرة والحماية. وهناك سُمّيت القلعة «أُرْدُنّ»، أي القلعة المحصّنة، بما يحمله اللفظ العربي من دلالة المنعة والشدّة والحراسة.

ومن هذه القلعة، ومن هذه المخاضة، وُلد المعنى الثاني: العبور. فسُمّيت المخاضة «عَبْر الأُرْدُنّ»، أي موضع عبور النهر، لا بوصفه توصيفًا جغرافيًا فحسب، بل فعلًا سياديًا يتحكّم بالحركة والانتقال بين الضفتين. وهذا المعنى هو ذاته الذي عبّر عنه القرآن الكريم بدقّة لغوية عالية حين استخدم فعل «جاوز»، أي عَبَر إلى الضفّة الأخرى من النهر، في توصيف لحظة انتقال حاسمة لجيش طالوت، تحمل في طيّاتها معنى الجغرافيا ومعنى الفعل التاريخي معًا. قال تعالى (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ = من الاية الكريمة 249 سورة البقرة

ومع الزمن، لم يبقِ اسم الأردن حبيس القلعة ولا المخاضة، بل اتّسع طبيعيًا. فصار يُطلق أولًا على النهر نفسه: نهر الأُرْدُنّ، ثم على الضفّتين الشرقية والغربية: شرق الأُرْدُنّ وغرب الأردن، ثم على الحوض كاملًا: حوض الأُرْدُنّ، أي النهر وضفّتيه وجانبيه وبحيراته، من أولى منابعه في الشمال إلى نهاية مصبّه في البحر الميت. وبهذا الاتّساع، دخل الاسم في طوره الجغرافي الكامل، فشمل غور الأُرْدُنّ بضفتيه، لا بوصفه شريطًا مائيًا، بل نهرا وارضا مجالًا حضاريًا متكاملًا.

ثم اكتمل الامتداد الجغرافي ليشمل الأردن كل الأرض الثمودية في شمال جزيرة العرب. فلم يعد الأُرْدُنّ اسم نهرٍ أو حوضٍ فقط، بل صار اسم بلاد واسعة الارجاء. صار اسمًا يَشمل كل ما هو شرق النهر، وكل ما هو شرق وادي الأُرْدُنّ، وشمل كذلك وادي العربة وغربه حتى البحر الأبيض المتوسط، والعقبة وما حولها شريق وغربا وسيناء، والساحل المحاذي الشرقي للبحر الأحمر حتى تخوم بلاد فاران (أي الحجاز).

اذن امتدّ الاسم جنوبًا، وشرقًا، وشمالًا، حتى تخوم الربع الخالي، وبلغ تخوم دمشق شمالًا، وامتدّ نحو تخوم الرافدين شرقًا، وفي زمن الانباط امتد الى الخليج العربي في اتّساعٍ لا تصنعه القرارات السياسية، بل تفرضه وحدة الجغرافيا والعشائر الأردنية والتاريخ والوظيفة الحضارية.

وبذلك، فإن اسم الأُرْدُنّ يُعدّ – وفق هذا التسلسل الدقيق – أوّل اسم لبلاد في الكرة الأرضية وفي تاريخ البشرية ، حيث اكتمل قبل أكثر من أربعة عشر ألف عام، ولم يتغير، وبدأ (كما قلنا أعلاه) من موضع محدّد في مملكة بيريا الأردنية التي كانت عاصمتها السلط، ثم اتّسع دون انقطاع، ولا قطيعة ، ودون انكسار في المعنى. اسمٌ لم يُستورد، ولم يُفرض، ولم يُختلق، بل نَمَا كما تنمو الازهار والأنهار: من نقطة، ثم مجرى، ثم حوض، ثم بلاد.

الأُرْدُنّ، بهذا المعنى، ليس تسميةً لاحقةً على المكان، ولا مستوردة ولا نازلة عليه بالمظلة ولا القرار السياسي، بل هو المكان هو الذي تَشَكَّل داخل الاسم. اسمٌ وُلِد من قلعة محصنة محروسة حارسة، وحرس العبور، وسمّى النهر، ثم سمّيت الضفاف، ثم سمّيت البلاد كلّها، ثم صار الاسم على اهل هذه البلاد الواسعة اسمهم (الأردنيون بعنوان عام شامل يندرج تحته عناوين فرعية عبر التاريخ).

اسمٌ شهد تحوّل ونبع من الشدة والغلبة الى قلعة وحراسة، ومن الجغرافيا إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى الهوية، ومنها إلى الشرعية ذات المعنى المتّصل الذي لم ينقطع،
ولن ينقطع بعون الله تعالى.

وللحديث بقية عن سردية السلط المحروسة





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :