عفوًا صاحب الذكرى… معراجك أُسِر، وأمتك في سباتٍ عميق
في ذكرى الإسراء والمعراج، لا نقف عند الحدث بوصفه معجزة زمنٍ مضى، بل بوصفه رسالةً متجددة، واختبارًا دائمًا لحال الأمة وضميرها. في هذه الليلة العظيمة، أُسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماوات العُلا، في مشهدٍ لم يكن هروبًا من واقعٍ أليم، بل تثبيتًا للحق، وشحذًا للعزيمة، وتأكيدًا أن طريق السماء يبدأ من الأرض، من القدس، من موطن الرسالات.
عفوًا صاحب الذكرى…
معراجك كان رفعةً للإنسان، أما نحن فقد قيّدنا المعنى، وأسرنا الرسالة، وتركنا الجوهر. تحوّل الإسراء عند كثيرين إلى مناسبة خطابية، لا توقظ ضميرًا، ولا تُحرّك موقفًا، ولا تعيد للأقصى مكانته في الوجدان كما أرادها الله أن تكون: قبلةً أولى، ورمزًا، وعهدًا لا يسقط بالتقادم.
في ليلة المعراج، فُرضت الصلاة، عمود الدين، لتكون صلةً بين الأرض والسماء، بين الإنسان وربه، وبين القيم والواقع. لكننا، ويا للأسف، فصلنا العبادة عن السلوك، ورضينا بدينٍ بلا عدل، وإيمانٍ بلا موقف، وشعائر بلا أخلاق. صعد النبي ﷺ إلى السماء ليعود بالأمل، بينما غرقنا نحن في سباتٍ طويل، نُحسن التبرير أكثر مما نحسن الفعل، ونجيد الشكوى أكثر مما نجيد العمل.
الإسراء والمعراج لم يكونا قصة إعجاز فحسب، بل إعلانًا صريحًا أن الأمة التي تريد العلو لا بد أن تستعيد بوصلتها، وأن القدس ليست تفصيلًا سياسيًا، بل جوهرًا عقديًا، وأن النهوض لا يُمنح، بل يُنتزع بالإرادة والوعي والوحدة.
عفوًا صاحب الذكرى…
نحتفي بليلتك، ونغفل عن رسالتها. نُكثر من الكلمات، ونقلّ في المواقف. نرفع الشعارات، ونتردد عند الفعل. ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا، لأن أمةً عرفت معنى المعراج قادرة، متى أفاقت، أن تعرف طريق النهوض.
في ذكرى الإسراء والمعراج، لسنا بحاجة إلى دموعٍ موسمية، بل إلى يقظة ضمير، وإلى معراجٍ أخلاقي يعيد للإنسان قيمته، وللوطن كرامته، وللدين صورته النقية.
سلامٌ على صاحب الذكرى… يوم أُسري به، ويوم عُرج به، ويوم نفيق نحن من سباتنا العميق.