الكرك… حين يتقدّم المعنى ويتراجع الادّعاء
أ. د. هاني الضمور
16-01-2026 10:18 PM
هناك أمكنة لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تصمت عنه. الكرك واحدة من تلك الأمكنة التي لم تتعلّم الكرامة من خطب المناسبات، ولم تكتسب وزنها من لحظة عابرة أو موقف طارئ. هي تراكم طويل من الوعي، حيث لا يُختبر الموقف عند أول ضغط، ولا تُقايَض القناعة بحسن الانطباع.
المفارقة أن الجدل لم ينشأ حول فعلٍ عدائي أو تجاوز، بل حول امتناعٍ هادئ، اختار فيه أهل المكان أن يبقوا أوفياء لوجدانهم. ومع ذلك، خرج من يطالبهم بتقديم تفسيرات، وكأن الانسجام مع الذات يحتاج إلى إذن، أو كأن الصمت الرافض يُعدّ إساءة. وهنا تحديدًا ينكشف الخلل: حين يصبح التمسك بالمبدأ محل اتهام، وتُستدعى “العادات” لتُستخدم سلاحًا ضد أصحابها.
الضيافة، في معناها العميق، ليست إجراءً إلزاميًا، ولا حركة بروتوكولية تُؤدّى لإرضاء الخارج. هي فعل حرّ، لا يُمارس إلا حين يكون منسجمًا مع القلب. وما يُفرض لا يُسمّى كرمًا، وما يُنتزع لا يحمل شرف المعنى. لذلك، فإن الامتناع حين يكون صادرًا عن قناعة، لا يقل قيمة عن العطاء، بل قد يكون أصدق تعبير عنه.
الكرك لم تخلط يومًا بين المجال الخاص والحيّز العام. بيوت الناس ليست امتدادًا لمؤسسات الدولة، وأحزانهم ليست منصات سياسية. من يتخيّل أن العلاقات بين الدول تُصان في مجالس العزاء، أو تُهدَّد بسبب موقف وجداني، إنما يسيء للدولة قبل أن يسيء للمجتمع، لأنه يختزلها في مشهد رمزي، ويتجاهل عمق بنيتها ومؤسساتها.
ثمّة من أراد تحويل الموروث الاجتماعي إلى أداة تطويع، وكأن الغاية من القيم أن تُفرغ من محتواها عند أول اختبار. غير أن القيم التي لا تحتمل الامتحان، ليست قيمًا أصلًا. فالعرف الذي يُجبر الإنسان على مناقضة نفسه، يفقد شرعيته، والتقليد الذي يُلغي الضمير، يتحول إلى عبء لا فضيلة.
في لحظة وداع رجل عُرف باستقامته وصلابة مواقفه، لم يكن متوقعًا أن يُكذَّب تاريخه بسلوك معاكس لروحه. الوفاء للراحل لا يكون بالشكل، بل بالانسجام مع ما مثّله في حياته. ومن هذا الباب، كان الموقف تعبيرًا طبيعيًا عن احترام السيرة، لا خروجًا عليها.
الكرك لم تكن يومًا مساحة للضجيج، ولا ميدانًا لاستعراض الأخلاق. تاريخها لا يُستحضر للدفاع، بل يُقرأ لمن أراد الفهم. هي تعرف أن الكرامة ليست صخبًا، وأن الصلابة لا تحتاج إلى تبرير، وأن أوضح المواقف أهدؤها.
أما المزاودات، فهي ضجيج عابر، يظهر حين يختلط الادّعاء بالقلق، وحين يُطلب من الثابت أن يبرر ثباته للمتردد. والكرك، في هذا كله، لم تتغير. لم ترفع صوتها، ولم تتراجع، ولم تدخل في سجال لا يشبهها.
وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بمكان بعينه، بل بفكرة أوسع: أن القيم لا تُستدعى لتقييد الناس، بل لتحريرهم من الزيف؛ وأن الكرامة لا تُثبت بالمصافحة، بل بالقدرة على الرفض حين يكون الرفض هو الشكل الأعلى للصدق.