هل تقوم الصناديق الاستثمارية بدورها الحقيقي في بورصة عمّان؟!
د.عدلي قندح
17-01-2026 11:23 AM
تعتبر البورصات مؤشراً رئيسياً لعمق الاقتصاد وكفاءة السياسات العامة، وأداة لتعبئة المدخرات الوطنية وتوجيهها نحو استثمارات منتجة. في هذا الإطار، تعتبر الصناديق الاستثمارية أحد أهم المفاصل التي تحدد ما إذا كانت البورصة منصة نشطة قادرة على دعم النمو، أم سوقاً محدودة التأثير. دراسة دور هذه الصناديق في بورصة عمّان ليست مجرد تحليل لسوق المال، بل قراءة لمدى قدرة الأردن على تحويل مدخراته إلى قوة تنموية حقيقية.
بورصة عمّان: مؤشرات نمو ملموسة لكنها محدودة
أظهرت بورصة عمّان في 2025 أداءً استثنائياً، إذ ارتفع المؤشر العام بنسبة 45% مقارنة بنهاية 2024، بينما بلغت القيمة السوقية الإجمالية 22.3 مليار دينار أردني، مع نمو السيولة اليومية بنسبة 83% لتصل إلى نحو 7.58 مليون دينار. هذه الأرقام تعكس عودة جزئية للثقة، وزيادة في الطلب المحلي والأجنبي، لكن الحقيقة وراء هذه الأرقام تشير إلى أن دور الصناديق الاستثمارية لا يزال محدوداً. فإسهامها في السوق لا يزال أقل من إمكاناتها، ولا يحقق عمقاً كافياً للطلب المؤسسي المستدام أو لتوجيه الاستثمارات نحو الاقتصاد الحقيقي.
الصناديق الاستثمارية: آليات العمل وأهميتها
تقوم الصناديق الاستثمارية على تجميع المدخرات الفردية وتحويلها إلى محفظة استثمارية مدارة مهنياً، بهدف:
• تنويع المخاطر وتقليل تأثير تقلبات السوق.
• خلق طلب مؤسسي مستدام على الأوراق المالية، يعزز السيولة ويحد من تقلبات الأسعار.
• تحقيق عوائد مستقرة على المدى الطويل للمستثمرين.
وتشمل هذه الصناديق أنواعاً مختلفة: صناديق الأسهم، الصناديق المدمجة، صناديق المؤشرات، الصناديق القطاعية، وصناديق الشركات الصغيرة والمتوسطة. كل نوع منها يلعب دوراً محدداً في السوق: فصناديق المؤشرات توفر سيولة عالية وكفاءة في التسعير، بينما الصناديق القطاعية تستهدف نمو قطاعات محددة، وتدعم تطوير الاقتصاد المحلي وفق أولويات استراتيجية.
في الأردن، تخضع الصناديق الاستثمارية لإطار تشريعي قريب من المعايير العالمية، يشمل حماية المستثمر، الإفصاح المالي، الفصل بين إدارة الصندوق وأمين الحفظ، وتقييم دوري للأصول. لكن رغم هذا الإطار القانوني، يظل التطبيق العملي محدوداً بسبب الحجم الصغير للصناديق، التحفظ في استراتيجياتها، وضعف تنوع منتجاتها.
الصناديق الاستثمارية ودورها العالمي
تظهر التجارب الدولية أن صناعة الصناديق هي العمود الفقري للأسواق الناضجة والنامية:
• في الولايات المتحدة وأوروبا، تمثل الصناديق الاستثمارية وصناديق التقاعد أكثر من 50% من السيولة المؤسسية، ما يمنح الأسواق استقراراً ويحد من تقلبات المضاربات الفردية.
• في كوريا الجنوبية وماليزيا، استخدمت الحكومات الصناديق كأداة استراتيجية لتوجيه المدخرات نحو القطاعات الإنتاجية الحيوية، ودعم الشركات الناشئة، وتقليل الاعتماد على الائتمان المصرفي التقليدي.
• في الشرق الأوسط، خصوصاً الإمارات والمملكة العربية السعودية، لعبت الصناديق الاستثمارية دوراً محورياً في تمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا المالية، مما ساهم في تنويع مصادر الاقتصاد وزيادة الربط بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي.
هذه التجارب تؤكد أن الصناديق الاستثمارية ليست مجرد أدوات مالية، بل أدوات استراتيجية للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
التحديات أمام الصناديق الاستثمارية في الأردن
رغم الإطار القانوني المناسب، يواجه القطاع عدة تحديات:
1. حجم الصناديق المتاحة صغير مقارنة بالقيمة السوقية للبورصة، ما يحد من قدرتها على التأثير في السيولة اليومية واتجاهات السوق.
2. التحفظ الاستثماري: معظم الصناديق تتبع استراتيجيات محافظة، قريبة من الاحتفاظ أو التداول المحدود، ما يقلل من دورها كمحرّك نشط للسوق.
3. ضعف التنوع: غياب صناديق المؤشرات، الصناديق القطاعية، وصناديق الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهي أدوات أساسية لزيادة عمق السوق.
4. ضعف الربط بالاقتصاد الحقيقي: لا تزال الصناديق تُستخدم كأدوات مالية على هامش السوق، ولا تُوظف بشكل استراتيجي لدعم النمو الاقتصادي الوطني أو المشاريع التنموية.
نحو رؤية استراتيجية لتفعيل الصناديق الاستثمارية
لتصبح الصناديق الاستثمارية قوة فاعلة في بورصة عمّان، يجب اتباع رؤية شاملة تتجاوز مجرد الرقابة القانونية:
• تنويع المنتجات الاستثمارية: تطوير صناديق المؤشرات، صناديق القطاعية، صناديق الشركات الصغيرة والمتوسطة، والصناديق المتخصصة بالتمويل الإسلامي والاستدامة.
• تعزيز المشاركة المؤسسية: إشراك صناديق التقاعد، شركات التأمين، والمؤسسات شبه الحكومية، لخلق طلب مستقر على الأوراق المالية.
• تشجيع الابتكار والحوافز: تقديم حوافز ضريبية للصناديق طويلة الأجل، وتسهيل تأسيس منتجات مبتكرة تلبي احتياجات السوق المحلي والعالمي.
• ربط الصناديق بالاقتصاد الحقيقي: دعم المشاريع الوطنية في البنية التحتية، الطاقة المتجددة، التحول الرقمي، والابتكار الصناعي، بحيث تتحول البورصة إلى رافعة تمويلية للنمو الاقتصادي.
• تطوير قدرات إدارة الصناديق: تدريب متخصص في استراتيجيات الاستثمار، تحليل الأسواق، وإدارة المخاطر، بما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية.
الخلاصة: الفرصة موجودة… ولكن التنفيذ حاسم
الصناديق الاستثمارية في الأردن تمثل فرصة غير مستغلة بالكامل لتحويل بورصة عمّان من مجرد منصة تداول إلى محرك حقيقي للنمو الاقتصادي والاستقرار المالي. الفجوة تكمن في الحجم، التنوع، الجرأة الاستثمارية، والربط بالاقتصاد الوطني، وليس في القوانين وحدها.
إذا تم تطوير القطاع وفق رؤية استراتيجية، فإن بورصة عمّان ستصبح:
• منصة جذب لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
• رافعة لتمويل المشاريع التنموية والاستثمار المنتج.
• أداة لتعزيز الاستقرار المالي وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
إن تفعيل الصناديق الاستثمارية ليس رفاهية مالية، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية للأردن ليصبح سوق رأس المال لديه قوة فاعلة في قيادة الاقتصاد نحو المستقبل.