facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خطوة أستراليا … هل يحذو الأردن حذوها؟


السفير الدكتور موفق العجلوني
17-01-2026 11:28 AM

هل آن للأردن أن يبادر؟

أثارت الخطوة التي اتخذتها أستراليا بفرض قيود مشددة على استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن السادسة عشرة جدلًا واسعًا في الأوساط التربوية والإعلامية حول العالم. فبين مؤيد يراها خطوة شجاعة لحماية النشىء، ومعارض يخشى من عزل الأطفال عن العصر الرقمي، يبرز سؤال ملحّ في مجتمعاتنا العربية: هل آن الأوان لأن يتخذ الأردن ودولنا العربية خطوة مماثلة لحماية أبنائنا من العبث الرقمي

يشهد العالم اليوم توسعًا غير مسبوق في استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح الأطفال في أعمار مبكرة جزءًا من هذا الفضاء المفتوح دون ضوابط كافية. هذا الواقع يفرض على المجتمعات والدول مسؤولية إعادة النظر في آليات الحماية، ليس من باب التضييق أو العزل عن العصر، بل من منطلق المصلحة الفضلى للطفل التي تشكل أساس السياسات التربوية الحديثة. التجربة الأسترالية في تنظيم استخدام الإنترنت للأطفال دون سن السادسة عشرة جاءت نتيجة تراكم دراسات علمية وملاحظات تربوية، وليست قرارًا عاطفيًا أو سياسيًا عابرًا.

تؤكد الأبحاث في علم النفس والتربية أن الطفل في المراحل العمرية المبكرة لم يصل بعد إلى النضج العقلي والانفعالي الذي يمكّنه من التعامل الآمن مع المحتوى الرقمي المفتوح. فمراكز ضبط السلوك واتخاذ القرار في الدماغ لا تكتمل إلا في مراحل عمرية متقدمة، ما يجعل الطفل أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى العنيف أو غير الأخلاقي أو المضلل. كما أظهرت دراسات متعددة ارتباط الاستخدام المفرط وغير المنظم للإنترنت بضعف التركيز، وتراجع التحصيل الدراسي، واضطرابات النوم، وازدياد القلق والعزلة الاجتماعية.

في ظل هذا الواقع، تجد الأسرة نفسها أمام تحدٍ يفوق قدرتها الفردية، إذ تواجه منصات رقمية عابرة للحدود، تعتمد على جذب انتباه الطفل لأطول وقت ممكن دون اعتبار كافٍ لسلامته النفسية أو القيمية. ومع غياب أطر تنظيمية واضحة، تتحول مسؤولية الحماية إلى عبء فردي غير متكافئ، ما يستدعي تدخلًا مؤسسيًا وتشريعيًا داعمًا للأسرة لا بديلًا عنها.

إن تنظيم استخدام الإنترنت للأطفال لا يعني القطيعة مع التكنولوجيا، بل يهدف إلى تدرج واعٍ في التعرض الرقمي يتناسب مع العمر والنضج. فالمنع المطلق قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل التحايل أو الرفض أو ضعف المهارات الرقمية، بينما يحقق التنظيم المدروس توازنًا بين الحماية وبناء الكفاءة الرقمية. ويشمل ذلك تحديد أعمار مناسبة لاستخدام بعض المنصات، وتصنيف المحتوى، وتعزيز أدوات الرقابة الأبوية، وإدماج التربية الرقمية في المناهج التعليمية.

من الناحية التربوية، يسهم هذا التنظيم في إعادة الاعتبار لدور المدرسة والأسرة في بناء شخصية متوازنة، قادرة على التفكير النقدي وضبط الذات. أما اجتماعيًا، فيحد من كثير من السلوكيات السلبية المرتبطة بالاستخدام غير المنضبط، مثل التنمر الإلكتروني، والانكفاء الاجتماعي، وتطبيع العنف أو الانحراف الفكري. كما يعزز التواصل الأسري الحقيقي، ويعيد توجيه وقت الطفل نحو أنشطة تنمي مهاراته الجسدية والعقلية والاجتماعية.

أما من المنظور الأخلاقي والقيمي، فإن حماية الطفل من الضرر المعنوي والفكري تعد مسؤولية جماعية. فالقيم الدينية والإنسانية تؤكد مبدأ الوقاية، وحفظ العقل، وصون الفطرة، وهي مبادئ تتقاطع مع ما توصل إليه العلم الحديث في مجال حماية الطفولة. ومن هذا المنطلق، فإن تنظيم الفضاء الرقمي للأطفال لا يتعارض مع الحرية، بل يضع لها إطارًا أخلاقيًا يضمن ممارستها دون إضرار بالنفس أو بالآخرين.

إن النقاش حول تنظيم استخدام الإنترنت للأطفال دون سن معينة يجب أن يُبنى على أسس علمية وتربوية وأخلاقية واجتماعية متكاملة. فالأمر لا يتعلق بمنع أو سماح، بل بقرار مسؤول يوازن بين متطلبات العصر الرقمي وحاجات النمو السليم للطفل. إن اعتماد سياسة تنظيمية متدرجة، تشارك فيها الدولة والأسرة والمؤسسات التربوية، يمثل استثمارًا طويل الأمد في صحة الجيل القادم واستقرار المجتمع، ويعكس وعيًا حضاريًا بأن حماية الطفل اليوم هي حماية لمستقبل الوطن غدًا.

تؤكد التجربة الأسترالية أن الدول التي تضع مصلحة الطفل فوق اعتبارات السوق والضغط الرقمي قادرة على اتخاذ قرارات شجاعة تحمي أجيالها دون أن تعادي التقدم أو تعزل أبناءها عن العصر. إن ما دفع أستراليا إلى تنظيم استخدام الإنترنت للأطفال هو ذات ما نواجهه اليوم في الأردن: اتساع الفجوة بين سرعة التطور الرقمي وقدرة الطفل على استيعابه بأمان. وانطلاقًا من خصوصيتنا الثقافية والاجتماعية، ومن التزامنا التربوي والأخلاقي تجاه أبنائنا، فإن تبني نهج وطني لتنظيم استخدام الأطفال للإنترنت لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل خطوة استباقية تحمي المجتمع وتدعمه. إن المبادرة الأردنية في هذا المجال، المستندة إلى العلم والتربية والقيم، يمكن أن تشكل نموذجًا عربيًا متوازنًا، يؤكد أن حماية الطفل لا تتعارض مع الانفتاح، بل هي شرطه الإنساني والأخلاقي.

* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والابحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :