من الغربة إلى العودة
م. عبد الغني طبلت الايوبيين
17-01-2026 11:39 AM
* متى يستيقظ الحجر الأصفر من سباته على وقع خطى أهله ؟ (١)
في ثمانينيات القرن الماضي ، بدأت السلط تعيش صمتًا غير مألوف تسلّل إلى عقباتها وأدراجها وأزقتها وفضاءاتها وحاراتها وأسواق وسطها التاريخي ، بعد أن أخذ أهلها ممن أشغلوا أحياءً كالجدعة والسلالم والميدان والخضر والبياضة والقلعة والعيزرية والمنشية والجادور ووادي الكراد لسنوات طويلة ، وغمروها بحركتهم ونشاطهم الدؤوب المفعم بضجيج وقائع حياتهم اليومية ، بتجميع مقتنياتهم ولملمة ذكرياتهم تمهيدًا للتخلي عنها والانتقال منها وهجرها
جاء ذلك بعد أن اجتذبتهم معطيات ومغريات "الحياة المعاصرة" ، ودَفعت بهم نحو المناطق المحاذية والمحيطة بالمدينة للاستقرار فيها ، بحثًا عن طريقٍ مُعبّد ، وبناءٍ مستقل ، وموقف سيارة خاص ، وأنظمة تكييف ومراقبة ، وغرف وفضاءات خاصة ، وتيراسات واسعة ، ومرافق خدمية ووسائل راحة ، وشبكات تزويد وتواصل حديثة ، وحدائق ومساحات خضراء ، فضلًا عن توفر إمكانيات للتوسع المستقبلي ، وإجراء أي تدخلات أو تغييرات دون قيد أو شرط ، وبما لا يتعارض مع متطلبات التنظيم المعتمدة
لقد أخلى الراحلون من أبناء وسط المدينة التاريخي بيوتًا كانت في يوم من الأيام عناوين بارزة للتحضر والانفتاح والتداخل البيني والتسامح والسِّلم المجتمعي ، ومحيطًا دافئًا للسلوكيات والممارسات التراثية التي تجسّدت في عمق ومتانة أواصر التعاون والتكاتف (الفزعة) ، وامتازت بأخلاقيات الكرم والترحيب وحسن الوفادة واستقبال الضيف وإغاثة الملهوف
ومع مرور الوقت ، وانقطاع التواصل مع معظمها ، فقد تحوّلت تلك البيوت إلى "أيقونات حجرية صامتة" وأماكن مهجورة أتت عليها عوامل الزمن والإنسان من إنهاكٍ وإساءة استعمال وتخريب ، لتغدو مساكن مؤقتة للطارئين ممن لا يملكون جذورًا أو انتماءً للمكان (مراقين طريق) ، وهكذا غدا الترحال بمراميه ومعانيه ، بمثابة السعي نحو "المعاصر" الحيوي على حساب "الأصيل" الغارق في سباتٍ عميق
فالسلطي لم يترك وسط مدينته التاريخي لأن مستوى حبه او ارتباطه أو تعلقه به قد تغيّر أو تبدّل أو تراجع أو انطفأت جذوته أو فقد الشغف فيه ، بل لأن "البيت التراثي" لم يعد قادرًا على تلبية الاحتياجات والوظائف التي تفرضها طبيعة الزمن الذي نعيشه
فبرغم شموخ جدرانه الحجرية الصفراء ، وهيبة قناطره وعقوده المتداخلة مع أبوابه وشبابيكه بتناسقٍ وإحكام ، إلا أن عناصر تصميمه وتوزيعه الداخلي ومحدودية أبعاد مساحاتها وتأثيرات قيودها ، تقف عاجزة أمام تلبية متطلبات الاستعمالات الحديثة ، لا سيما التكنولوجية منها ، سواء من حيث البنية التحتية أو الفوقية أو الوظائف والمساحات ، وعجزها عن تحقيق الحد الأدنى من الخصوصية والاستقلالية لقاطنيها ، نظرًا للتداخل المباشر والتشابك الوظيفي بين تلك العناصر ، وغياب أو انعدام الحدود الفاصلة بينها (Boundary-Less)
ومن هنا نقول بإن إقناع الأهالي للعودة والإقامة في بيوت وسط المدينة التاريخي لن ينجح أبدًا بالاتكاء على ممارسات الدغدغة العاطفية أو الاستمالة الخطابية الهشّة ، بل إن النجاح سيعتمد على مدى القدرة على تذليل العقبات والإشكاليات التقنية والتخطيطية والمؤسسية ، وبخاصة تلك التي تحد من تطبيق مبدأ "التكييف الوظيفي" (Adaptive Reuse) ولا تسمح بنسب أعلى من التدخل أو تعديل وظائف البناء ، ويأتي في مقدمة ذلك ما ورد في التشريعات القائمة ، لا سيما القانون رقم (5) لسنة 2005 ، حيث أدى تراكم تلك العقبات وانتشارها وتفاقم أبعادها ، الى جعل سُبل العيش في بيوت وسط المدينة التاريخي والاستفادة من بنيتها "تحديًا ومشقّة" ، بدلًا من أن تكون "مغنمًا ورفاهية"
وللحديث بقية