الذكاء الاصطناعي والإرهاب: بين التهديد الأمني وأدوات المكافحة
د.مأمون الشتيوي العبادي
17-01-2026 11:40 AM
أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز ملامح العصر الرقمي الحديث، لما له من قدرة عالية على تحليل البيانات، والتعلّم الذاتي، واتخاذ القرارات بسرعة عالية تفوق القدرات البشرية. غير أن هذا التطور المتسارع لم يقتصر على المجالات الإيجابية نذكر منها : التعليم، والصحة، والاقتصاد، بل امتد ليشكّل تحديًا أمنيًا خطيرًا، خاصة في علاقته بالإرهاب، سواء من حيث استغلال الجماعات الإرهابية له، أو توظيفه في مكافحتها.
استفادت التنظيمات الإرهابية من التقنيات الرقمية الحديثة، ويأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمة هذه الأدوات. فقد لجأت بعض الجماعات إلى استخدام الخوارزميات الذكية في:
1. الدعاية والتجنيد:
تستخدم الجماعات الإرهابية تقنيات تحليل البيانات الضخمة وخوارزميات التوصية لاستهداف فئات معينة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستغلة نقاط الضعف النفسية أو الأيديولوجية، مع تخصيص الرسائل الدعائية بما يتناسب مع كل فئة.
2. إنتاج محتوى متطور:
أسهم الذكاء الاصطناعي في إنتاج مقاطع فيديو مزيفة (Deepfake) أو تسجيلات صوتية عالية الإقناع، تُستخدم في نشر الخوف، أو تشويه الحقائق، أو التحريض على العنف.
3. التخطيط والتنفيذ:
يمكن للذكاء الاصطناعي، نظريًا، أن يساعد في تحليل الثغرات الأمنية، أو اختيار الأهداف، أو تحسين دقة الهجمات الإلكترونية، خصوصًا في مجال الإرهاب السيبراني.
في المقابل، يُعد الذكاء الاصطناعي سلاحًا فعالًا بيد الدول والأجهزة الأمنية في مواجهة الإرهاب، من خلال:
1. تحليل البيانات الاستخباراتية:
تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي معالجة كميات هائلة من البيانات في وقت قصير، وربط الأنماط المشبوهة، والتنبؤ بالهجمات المحتملة قبل وقوعها.
2. المراقبة الذكية:
تُستخدم تقنيات التعرف على الوجه، وتحليل السلوك، والكاميرات الذكية في رصد التحركات المشبوهة في الأماكن العامة، مع تقليل الاعتماد على الجهد البشري.
3. مكافحة التطرف الرقمي:
تسهم الخوارزميات الذكية في رصد المحتوى المتطرف على الإنترنت، وإزالته، وتعطيل حسابات التنظيمات الإرهابية، إضافة إلى دعم الخطاب المعتدل.
الإشكاليات الأخلاقية والقانونية
رغم أهمية الذكاء الاصطناعي في مكافحة الإرهاب، إلا أن استخدامه يثير إشكاليات خطيرة، من أبرزها:
• انتهاك الخصوصية نتيجة التوسع في المراقبة الرقمية.
• التحيز الخوارزمي الذي قد يؤدي إلى استهداف فئات معينة دون غيرها.
• غياب الأطر القانونية الدولية التي تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني.
وهنا تبرز الحاجة إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية الأمن القومي وصون حقوق الإنسان.
آفاق مستقبلية
من المتوقع أن يزداد تأثير الذكاء الاصطناعي في مجال الإرهاب خلال السنوات القادمة، سواء من حيث تعقيد التهديدات أو تطور وسائل المكافحة. لذلك، يتطلب الأمر:
1- تعزيز التعاون الدولي في مجال الأمن السيبراني.
2- تطوير تشريعات واضحة تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي.
3- الاستثمار في البحث العلمي وبناء الكفاءات البشرية.
4- التركيز على الوقاية الفكرية إلى جانب الحلول التقنية.
يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يشكّل سلاحًا ذا حدّين في سياق الإرهاب؛ فهو أداة قد تُستغل في نشر العنف، كما يمكن أن يكون وسيلة فعّالة في كشف الإرهاب والحد من مخاطره. ويبقى التحدي الحقيقي في كيفية توظيف هذه التكنولوجيا المتقدمة توظيفًا أخلاقيًا وقانونيًا يخدم أمن المجتمعات ويحمي الإنسان، دون أن يتحول إلى أداة تهديد جديدة بحد ذاته.
نقترح حلولا واقعية لمواجهة توظيف الذكاء الاصطناعي في الإرهاب
- على المستوى الأمني والتقني
1. تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي مضادّة
يجب على الدول الاستثمار في أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة قادرة على:
• رصد الأنماط السلوكية المشبوهة مبكرًا.
• تحليل البيانات الضخمة (الاتصالات، التحركات، التمويل).
• التنبؤ بالهجمات المحتملة قبل وقوعها.
الحل الواقعي هنا : هو عدم الاكتفاء بالتقنيات التقليدية، بل تدريب كوادر أمنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي.
2. تعزيز الأمن السيبراني
مع تطور الإرهاب الرقمي، تصبح حماية البنية التحتية الرقمية (المطارات، البنوك، شبكات الكهرباء…) أولوية قصوى عبر ما يلي :
• أنظمة كشف الهجمات الذكية.
• محاكاة الهجمات الإرهابية الرقمية للتدريب والاستعداد.
• التعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى.
- على المستوى القانوني والتشريعي
3. سنّ تشريعات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي
من الضروري إصدار قوانين:
• تجرّم استخدام الذكاء الاصطناعي في التحريض أو التجنيد أو إنتاج محتوى إرهابي.
• تنظّم استخدام تقنيات المراقبة دون انتهاك الخصوصية.
• تفرض مساءلة قانونية على الجهات التي تطور أدوات يمكن إساءة استخدامها.
- الحل الواقعي هو التشريع المرن الذي يواكب التطور السريع للتكنولوجيا.
4. توحيد الجهود القانونية دوليًا
الإرهاب عابر للحدود، لذلك يجب:
• توحيد تعريف الجرائم الرقمية الإرهابية.
• تبادل المعلومات القانونية والاستخباراتية.
• إنشاء اتفاقيات دولية خاصة بالذكاء الاصطناعي والأمن.
- على المستوى الإعلامي والرقمي
5. مكافحة الدعاية المتطرفة بخطاب بديل
بدل الاكتفاء بحذف المحتوى الإرهابي، يجب:
• إنتاج محتوى رقمي ذكي يواجه التطرف بالحجة والمنطق.
• استخدام الذكاء الاصطناعي لنشر خطاب الاعتدال.
• دعم المؤثرين الإيجابيين والخطاب الديني والفكري المعتدل.
6. التعاون مع منصات التواصل الاجتماعي
الحل الواقعي يتمثل في:
• إلزام المنصات باستخدام خوارزميات أكثر دقة لرصد المحتوى الإرهابي.
• تسريع آليات الإبلاغ والحذف.
• الشفافية في سياسات الحذف والتصنيف.
وعلى المستوى التعليمي والفكري :
7. الوقاية الفكرية عبر التعليم
لا يمكن محاربة الإرهاب تقنيًا فقط، بل يجب:
• إدراج مفاهيم التفكير النقدي والوعي الرقمي في المناهج.
• تعليم الشباب كيفية كشف التضليل والدعاية المتطرفة.
• ربط التعليم بالقيم الإنسانية والتعايش.
8. تأهيل المختصين في الذكاء الاصطناعي أخلاقيًا
من الحلول الواقعية هنا:
• تدريس أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الجامعات.
• ربط التخصصات التقنية بالعلوم الإنسانية (خاصة علم الاجتماع، علم النفس).
• إشراك الباحثين في وضع سياسات أمنية مدروسة
اخيرا، على المستوى الاجتماعي والاقتصادي
9. معالجة الأسباب الجذرية للتطرف
الذكاء الاصطناعي لا يصنع الإرهاب من فراغ، لذلك يجب:
• الحد من البطالة والتهميش.
• تعزيز العدالة الاجتماعية.
• تمكين الشباب اقتصاديًا وثقافيًا.
10. إعادة تأهيل المتطرفين باستخدام أدوات ذكية
يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في:
• تحليل الخطاب المتطرف نفسيًا.
• تصميم برامج إعادة دمج فردية.
• متابعة تطور الحالة الفكرية للمستفيدين من برامج التأهيل.
الحل الواقعي لمواجهة الإرهاب في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في مقاربة شاملة تجمع بين الأمن، والتشريع، والتعليم، والإعلام، والتنمية. فالذكاء الاصطناعي أداة محايدة، وما يحدد خطورته أو فائدته هو كيفية استخدامه ومن يتحكم به. ومن هنا، فإن الاستثمار في الإنسان، قبل الآلة، يبقى الحل الأكثر استدامة وفعالية.