هل تتجاوز جولات السفير الأمريكي البروتوكول؟
م. وائل سامي السماعين
17-01-2026 11:46 AM
تأتي جولات سعادة السفير الأمريكي في الأردن، ويليام ريدفيلد هولتسنايدر، في مختلف محافظات المملكة ضمن الإطار القانوني الذي تنظمه اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961. تنص هذه الاتفاقية على أن للسفراء الحق في التنقل داخل الدولة المضيفة والتواصل مع المجتمع والتعرّف على أوضاعه بوسائل مشروعة، مع الالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية أو ممارسة أي نشاط ذي طابع سياسي مباشر خارج القنوات الرسمية.
بعيدًا عن السجال الإعلامي القائم، لا يمكن قراءة سلوك المجتمع الأردني بمعزل عن خصوصيته التاريخية والاجتماعية، فهو مجتمع تشكّلت هويته الوطنية على أساس التكاتف والمشاركة في الشأن العام والخاص، حيث تمثّل المناسبات الاجتماعية، في الأفراح كما في الأتراح، إحدى أدوات ترسيخ الوحدة الوطنية وبناء الثقة بين مكونات المجتمع. وقد أدركت القيادة الهاشمية عبر العقود هذه الحقيقة، وهو ما جسّده جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، من خلال حضوره الدائم بين الناس ومشاركته لهم في مناسباتهم، في رسالة سياسية بقدر ما هي إنسانية، تؤكد أن القرب من المجتمع أحد أعمدة الاستقرار الوطني.
وفي هذا السياق، فإن مشاهد وقوف أبناء العشائر المسلمة إلى جانب أبناء العشائر المسيحية في محافظات كَمادبا وغيرها، خلال مناسبات العزاء أو الفرح، ليست مجرد تعبير اجتماعي، بل ممارسة وطنية تعكس عمق الشراكة المجتمعية التي يقوم عليها العقد الاجتماعي الأردني، وتُظهر أن احترام هذه المساحات الاجتماعية جزء لا يتجزأ من احترام الخصوصية الوطنية للدولة والمجتمع معًا.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم أن تفاعل السفير هولتسنايدر مع المجتمع الأردني يلقى ترحيبًا من شرائح واسعة ترى في ذلك احترامًا لخصوصية المجتمع وتقديرًا لثقافته، في حين يبدي آخرون اعتراضهم لأسباب سياسية مرتبطة بالمواقف الأمريكية من قضايا إقليمية حساسة. وهذا التباين في المواقف أمر طبيعي في مجتمع حيّ يتمتع بوعي سياسي مرتفع وتعدد في وجهات النظر.
لكن من المهم التمييز بين الخلاف مع السياسات والتعامل الدبلوماسي مع ممثلي الدول، فالعلاقات الأردنية-الأمريكية علاقات راسخة تمتد لأكثر من سبعين عامًا، قائمة على التعاون في مجالات متعددة تشمل الاقتصاد والتعليم والصحة والدفاع والتنمية، ولا يمكن اختزالها في مواقف ظرفية أو في نشاط اجتماعي لسفير هنا أو هناك.
كما لا يمكن إغفال أن التواصل المباشر مع المجتمع يمنح الدبلوماسيين فرصة أفضل لفهم المزاج العام ونقل صورة أكثر دقة عن تطلعات الناس ومواقفهم، وهو ما قد يكون أكثر فاعلية من التقارير الرسمية وحدها. وفي هذا السياق، قد تشكّل جولات السفير هولتسنايدر قناة إضافية لإيصال صوت الشارع الأردني إلى دوائر صنع القرار.
في النهاية، يبقى الأردن دولة ذات سيادة ومؤسسات قوية، وتبقى مواقفه الوطنية ثابتة وواضحة، لا تتأثر بجولة سفير أو زيارة اجتماعية. أما الدبلوماسية، فهي بطبيعتها قائمة على التواصل والحضور والتفاعل، ما دام ذلك يتم ضمن الأطر القانونية واحترام الخصوصية الثقافية والسياسية للمجتمع.
والحكمة تقتضي أن يُدار النقاش العام بعقلانية تفرّق بين الموقف المبدئي من القضايا الكبرى، وبين تفاصيل السلوك الدبلوماسي التي لا تمسّ ثوابت الدولة ولا تنتقص من كرامة المجتمع، بل قد تسهم — إذا أُحسن توظيفها — في تعزيز الحوار ونقل الصورة الحقيقية عن الأردن وأبنائه.
في الختام، لا بد من توجيه الشكر لسعادة السفير الأمريكي على حرصه على مشاركة الأردنيين في أفراحهم وأتراحهم ومناسباتهم المختلفة، وهو سلوك يعكس إدراكًا لأهمية البعد الإنساني في العلاقات بين الشعوب، قبل أي اعتبارات سياسية أو دبلوماسية. إن مثل هذا الحضور، حين يُقرأ في سياقه الاجتماعي والثقافي، يُسهم في تعزيز جسور الثقة والاحترام المتبادل، ويؤكد أن التواصل الحقيقي مع المجتمعات لا يكون فقط عبر القنوات الرسمية، بل عبر التفاعل المباشر مع الناس وقيمهم وتقاليدهم. وهو نهج يستحق التقدير لما يحمله من رسالة إيجابية تعزز روح التقارب بين الشعبين الأردني والأمريكي.
waelsamain@gmail.com