المرسوم الذي اتخذه الرئيس السوري أحمد الشرع بالأمس القريب و الذي حمل رقم (13) لعام 2026 الذي يؤكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة أعاد إلى أذهان المراقبين و المحللين اعلان 11 آذار مارس 1970 التاريخي بين الحكومة العراقية بقيادة حزب البعث والملا مصطفى البارزاني ممثلاً عن الأكراد، التي عترفت لأول مرة بالحقوق القومية والثقافية للأكراد، وتضمنت منحهم الحكم الذاتي في مناطقهم، واستخدام اللغة الكردية، وتمثيلهم في الحكومة، ووقف القتال الذي كان دائرا آنذاك بين الطرفين .
يبدو أن العوامل و الاعتبارات المتعلقة بالضغوط الخارجية و العلاقات الدولية لها دور بارز في قرار القيادة السورية الجديدة فقد كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية النقاب عن تهديد من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة فرض العقوبات على سورية بموجب قانون قيصر في حال قيام السلطات السورية بعملية عسكرية ضد قوات سورية الديمقراطية المعروفة اختصارا بقسد و التي يهيمن عليها الأكراد ، اما في الحالة العراقية فقد كان الغاء معاهدة عام 1937 بين إيران و العراق الحدودية حول شط العرب في 19 نيسان ابريل 1969 من قبل نظام الشاه الحاكم في طهران حاضرا بقوة فقد تصاعدت وتيرة الاشتباكات بين الطرفين على إثر ذلك بينما كان الدعم الإيراني للمتمردين الأكراد في شمالي العراق يتم بزخم متسارع متصاعد .
محاولة الانفتاح على مكون أصيل في المجتمع السوري و العراقي و تمتين الجبهة الداخلية يبدو من الحكمة بما كان في مواجهة القوى الإقليمية و الدولية الطامعة في استخدام الورقة الكردية و توظيفها للحصول على مكاسب ميدانية على أرض الواقع على حساب القطرين العربيين و لكن لا تلوح في الأفق بوادر تشير إلى رغبة هذه الأطراف المستفيدة من التلاعب بالأخوة الأكراد و قضيتهم في التخلي عن هذه الورقة الان قبل انتزاع تنازلات إقليمية مؤلمة من سورية على غرار ما حدث مع العراق في اتفاقية الجزائر عام 1975 لصالح إيران الشاه .
ما يعزز الاعتقاد بأن البحث عن انتزاع تنازلات إقليمية من القيادة السورية في هضبة الجولان لصالح الكيان الصهيوني هو الباعث المحرك لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في سورية تجاه العديد من الملفات الداخلية هو أن إدارة الرئيس ترامب كانت قد اتخذت قرارا في أيار مايو من العام 2019 بالاعتراف بضم الدويلة العبرية المسخ لهذه الهضبة الاستراتيجية البالغة الأهمية مما يؤشر بوضوح الى نوايا الإدارة الأمريكية المبيتة في هذا المجال .
رغم كل ما تقدم فإن هنالك فوارق جوهرية بين الحالتين العراقية و السورية لا يمكن غض الطرف عنها فالعراق في أواخر ستينات القرن الماضي كان منخرطا بقوة في الصراع العربي الصهيوني اذا أن قطاعاته العسكرية كانت متواجدة على الأراضي الأردنية بموجب معاهدة الدفاع العربي المشترك و شاركت بالفعل في حرب حزيران يونيو من العام 1967 ليس ذلك فحسب بل كانت هذه الوحدات العسكرية الباسلة تقدم الدعم للمقاومة الفلسطينية التي كانت تنشط في شن عملياتها الفدائية ضد الصهاينة انطلاقا من غور الأردن و هو الأمر الذي دفع حكام تل أبيب إلىه تكثيف دعمهم الانفصاليين الأكراد و هو الأمر الذي برز جليا للعيان من خلال الهجوم الغادر الذي شنه هؤلاء بالتنسيق و الاشتراك مع الموساد الصهيوني على مصفاة بيجي النفطية الواقعة بين كركوك و تكريت شمالي العاصمة العراقية بغداد في آذار مارس من العام 1969 بحسب ما اقدر به شلومو نكديمون مؤلف كتاب الموساد في العراق .
لذا فإن ما يجب أن يدركه حكام دمشق الجدد الان و اكثر من اي وقت مضى هو أن السياسة و إن كانت تعني فن الممكن فإن المحادثات الامنية التي يجريها المسؤولون السوريون مع نظرائهم الصهاينة في العاصمة الفرنسية باريس و في غيرها لن تسهم في حل المشاكل الداخلية العالقة مع مكونات المجتمع السوري بقدر ما يمكن لذلك أن يتحقق من خلال تطبيق و تجسيد مبدأ وحدة النضال في مواجهة الكيان الغاصب و توحيد المجتمع السوري على قاعدة العداء للورم السرطاني الصهيوني الخبيث .