facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمور… الرصاصة الأولى في معركة الوعي والسيادة


يحيى بشير عطاري
17-01-2026 01:41 PM

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس المواقف بحجم الضجيج المرافق لها، بل بوضوح رسالتها، ودقة توقيتها، وقدرتها على إعادة ضبط البوصلة الوطنية. وما صدر عن عشائر الضمور الغساسنة في الكرك لم يكن ردّ فعل عاطفيًا، ولا سلوكًا خارجًا عن السياق، بل كان الطلقة الأولى في معركة الوعي والسيادة، أُطلقت بجرأة محسوبة، وبأخلاق دولة، وبمسؤولية تاريخية.

الضمور لم يكتبوا بيانًا فقط، بل قدّموا تعريفًا معاصرًا لدور العشيرة في الدولة الحديثة: العشيرة ليست بديلًا عن المؤسسات، ولا قناة موازية للدبلوماسية، ولا مساحة رخوة للاختراق السياسي الناعم. العشيرة هنا كانت خط الدفاع الاجتماعي الأول عن سيادة القرار الأردني، وعن قدسية الفضاء الاجتماعي الذي يجب أن يبقى منزّهًا عن الرسائل السياسية الخارجية، مهما كان مصدرها.

رفض زيارة السفير الأمريكي في بيت عزاء لم يكن فعل قطيعة، بل فعل ضبط للمسافات. مسافة تحمي الدولة، وتحترم مؤسساتها، وتمنع تسييس الحزن، وتقطع الطريق على تحويل العزاء إلى منصة رمزية لتبييض سياسات ثبت فشلها أخلاقيًا وإنسانيًا، خصوصًا في ظل ما يتعرض له أهلنا في غزة من قتل وتجويع وتدمير ممنهج، لم يعد يقبل التبرير ولا الصمت.

ما فعلته عشائر الضمور هو تحويل الأخلاق إلى موقف سياسي نظيف، دون إساءة، ودون انفعال، ودون خروج عن ثوابت الدولة. لقد قالوا، بالفعل لا بالشعار: نحن مع الدولة، لا فوقها، ومع القيادة الهاشمية، لا نزاود عليها، ومع الكرامة الوطنية، لا نؤجلها.

الأهم في هذا الموقف أنه أسقط وهم الفصل بين الوطنية والوجدان. فالدولة القوية لا تخاف من المواقف الأخلاقية لشعبها، بل تستمد قوتها منها. والولاء الحقيقي ليس صمتًا أعمى، بل وعيٌ يحسن التمييز بين الضيافة والكرامة، وبين الأعراف الاجتماعية والدلالات السياسية.

الضمور، وهم يرفضون الزيارة، لم يرفضوا شخصًا، بل رفضوا رمزية سياسية في مكان غير سياسي، وزمان غير مناسب، وسياق يتناقض مع الضمير الإنساني الجمعي. وهذا بحد ذاته سلوك دولة، لا نزق شارع.

لقد جاء موقفهم امتدادًا طبيعيًا لسيرة فقيدهم، ورسالة وفاء لنهجه، وتأكيدًا أن القيم لا تموت بموت أصحابها، بل تُختبر عند غيابهم. فكان العزاء موقفًا، وكان الحزن وعيًا، وكانت الكرامة هي العنوان.

في زمن تختلط فيه المفاهيم، وتُحاول فيه بعض القوى اختبار مناعة المجتمعات من بوابة العلاقات الاجتماعية، جاءت الضمور لتقول بوضوح: الأردن ليس ساحة تجريب، وعشائره ليست أدوات، وسيادته ليست قابلة للتأويل.

نعم، كانت الضمور الرصاصة الأولى…

لكنها لم تكن رصاصة فوضى، بل رصاصة وعي، أُطلقت في الاتجاه الصحيح، دفاعًا عن الدولة، وعن الأخلاق، وعن الحق، وعن الأردن الذي نريده قويًا، ثابتًا، عزيزًا، بقيادته الهاشمية، وبشعبه الذي يعرف متى يقول «نعم»، ومتى يكون «لا» واجبًا وطنيًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :