facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss




الاستثمار في الاقتصاد المعرفي .. رهان البنوك الإسلامية على المستقبل


د. محمد فخري صويلح
17-01-2026 09:36 PM

يشهد العالم اليوم تحولاً عميقاً في بنية الاقتصاد العالمي، وعليه ،،، لم يعد رأس المال المادي وحده هو المحرك الأساسي للنمو، بل أصبحت المعرفة — بمختلف صورها،،، الرقمية، التقنية، العلمية، والإبداعية — المورد الاستراتيجي الأهم،،، فاقتصاديات الدول المتقدمة لم تعد تعتمد على الموارد الطبيعية بقدر اعتمادها على إنتاج المعرفة وتوظيفها بكفاءة عالية،،، هذا التحول يفتح أمام البنوك الإسلامية فرصاً استراتيجية لتوسيع نطاق نشاطها الاستثماري والتمويلي في اتجاه قطاعات جديدة تتطلب نماذج عمل أكثر ابتكاراً ومرونة،،، فالاستثمار في الاقتصاد المعرفي ليس مجرد توجه مستقبلي، بل هو شرط أساسي لضمان البقاء في بيئة مالية تتغير بسرعة غير مسبوقة.

يقوم الاقتصاد المعرفي على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية مضافة من خلال الابتكار والتقنيات الرقمية والتعليم المتقدم والبحث والتطوير وريادة الأعمال،،، وتتسم الشركات العاملة في هذا الاقتصاد بكونها أكثر مرونة، وأسرع نمواً، وأقل اعتماداً على الأصول التقليدية،،، وهذا يشكل تحدياً وفرصة في آن واحد أمام البنوك الإسلامية، إذ يتعين عليها تطوير أدوات تمويل واستثمار تتناسب مع طبيعة هذه القطاعات، التي غالباً ما تكون كثيفة المعرفة ولكن محدودة الضمانات التقليدية.

أحد أهم مدخلات الاستثمار في الاقتصاد المعرفي هو تمويل البحث والتطوير والابتكار،،، فهذه المجالات تحتاج إلى رؤوس أموال طويلة الأجل وبيئة تمويلية مرنة تتيح للمبتكرين والمبدعين تحويل أفكارهم إلى منتجات وخدمات ذات قيمة،،، وهنا يمكن للبنوك الإسلامية أن تلعب دوراً محورياً من خلال تصميم أدوات تمويل استثماري تشاركي تعتمد على عقود المضاربة والمشاركة، بحيث يتم تقاسم المخاطر والعوائد بين الممول والمبتكر،،، كما يمكنها المساهمة في إنشاء صناديق استثمارية وقفية أو تنموية موجهة لدعم البحث العلمي وريادة الأعمال التقنية.

إضافة إلى ذلك، يمكن للبنوك الإسلامية أن تساهم في بناء منظومات تمويل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة المعرفية، وهي الشركات التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد المعرفي في كثير من الدول،،، فبدلاً من الاعتماد على الضمانات التقليدية، يمكن تصميم أدوات تمويل تستند إلى تقييم الأفكار التقنية والنماذج الابتكارية وجدوى السوق، وهو ما يتطلب من المصارف الإسلامية تطوير قدرات تقييم استثماري مختلفة عن تلك المستخدمة في التمويل التجاري التقليدي،،، هذا التوجه يعزز فرص ظهور شركات تقنية ناشئة ذات تأثير اقتصادي كبير.

ومن الجوانب الاستراتيجية المهمة أيضاً أن الاستثمار في الاقتصاد المعرفي يتيح للمصارف الإسلامية تنويع محافظها الاستثمارية بطرق لا ترتبط مباشرة بتقلبات القطاعات التقليدية،،، فبينما تتأثر قطاعات مثل العقار والطاقة والبنية التحتية بدورات السوق الاقتصادية، فإن قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الطبية الحيوية، والتعليم الرقمي، والتحول السحابي، توفر فرص نمو مستقرة نسبياً على المدى المتوسط والطويل،،، هذا التنويع لا يعزز الربحية فحسب، بل يرفع من مرونة المصارف في مواجهة الصدمات الاقتصادية.

كما أن الاستثمار في الاقتصاد المعرفي يفتح الباب أمام شراكات استراتيجية بين البنوك الإسلامية والجامعات ومراكز البحث العلمي،،، فهذه المؤسسات هي المنابع الأساسية لإنتاج المعرفة والابتكار، ويمكن من خلال التعاون معها بناء منصات تمويلية مشتركة تدعم المشاريع البحثية وريادة الأعمال العلمية والتقنية،،، مثل هذه الشراكات لا تقتصر على التمويل فحسب، بل تساهم في بناء شبكات ابتكار وطنية وإقليمية تعزز مكانة المصرف كمحرك للتنمية المعرفية.

ويتصل بذلك أيضاً دور رأس المال البشري، إذ لا يمكن فصل الاقتصاد المعرفي عن الاستثمار في الإنسان،،، فالمشاريع المعرفية تقوم على الكفاءات والمهارات المتقدمة، وليس فقط على المعدات أو العقارات،،، وبالتالي، يمكن للبنوك الإسلامية الاستثمار في برامج تمويل التعليم العالي، وبناء صناديق لتمويل التدريب المتقدم، ودعم مبادرات تأهيل القوى العاملة في مجالات مثل التقنية، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني،،، هذا الاستثمار البشري يشكل قاعدة أساسية لنمو الاقتصاد المعرفي ويعزز من قدرة المجتمع على المنافسة عالمياً.

ويعد التحول الرقمي أحد الركائز التي لا يمكن فصلها عن الاقتصاد المعرفي،،، إذ إن معظم الشركات الناشئة في هذا المجال تعمل على منصات رقمية بالكامل، وتحتاج إلى تمويلات تتسم بالسرعة والمرونة،،، وهنا يمكن للمصارف الإسلامية استخدام نماذج تمويل رقمي تشاركي (Digital Participatory Finance)، بحيث يتم دمج تقنيات العقود الذكية وتقنية البلوكشين لتسريع إجراءات التمويل وضمان الشفافية،،، هذه المقاربة تتيح للمصرف الإسلامي أن يكون جزءً من المنظومة التقنية التي تدعم الاقتصاد المعرفي لا مجرد ممول تقليدي.

ومن الزوايا الاقتصادية المهمة أن الاستثمار في الاقتصاد المعرفي يساهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني ورفع إنتاجيته الإجمالية،،، فالدول التي تمتلك قطاعات معرفية قوية قادرة على تنويع مصادر دخلها، وزيادة صادراتها ذات القيمة المضافة، وتقليل اعتمادها على الموارد الطبيعية،،، وإذا كانت المصارف الإسلامية تطمح إلى لعب دور تنموي حقيقي، فإن دخولها إلى هذا المجال سيكون خطوة استراتيجية تعزز مكانتها في الاقتصاد الوطني وتمنحها ميزة تنافسية مستدامة.

ورغم هذه الفرص الكبيرة، فإن الاستثمار في الاقتصاد المعرفي يطرح تحديات واضحة أمام المصارف الإسلامية،،، أهمها الحاجة إلى تطوير نظم تقييم مخاطر مختلفة، إذ لا يمكن استخدام نفس معايير التمويل التقليدي في القطاعات المعرفية،،، كما يتطلب الأمر بناء كوادر بشرية قادرة على فهم طبيعة هذه المشاريع وتقييمها على أساس الابتكار والجدوى السوقية، لا فقط على أساس الضمانات المادية،،، وهذا بدوره يستدعي استثماراً طويل الأجل في بناء القدرات الداخلية للمصرف.

كما يتطلب هذا النوع من الاستثمار بيئة تنظيمية مرنة تدعم الابتكار المالي وتسمح بتطوير أدوات تمويل واستثمار متقدمة تتناسب مع طبيعة الاقتصاد المعرفي،،، ومن هنا يمكن للمصارف الإسلامية التعاون مع الجهات الرقابية لتطوير أطر تنظيمية خاصة بالتمويل المعرفي والابتكاري، توازن بين المرونة التشجيعية والضبط الرقابي.

إن الاستثمار في الاقتصاد المعرفي ليس مجرد توجه عصري، بل هو استثمار في مستقبل الاقتصاد ذاته،،، وإذا استطاعت المصارف الإسلامية اغتنام هذه الفرصة من خلال أدوات تمويل تشاركية مبتكرة، وشراكات مع مؤسسات المعرفة، وتنويع استثماري استراتيجي، فإنها ستنتقل من كونها مؤسسات مالية تقليدية إلى محركات رئيسية للابتكار والنمو الاقتصادي المستدام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :