قانون الضمان اختبار للأحزاب
مالك العثامنة
16-03-2026 12:10 AM
كان مشروع تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، وما يزال، فرصة ذهبية للتجربة الحزبية الأردنية، ليس فقط لأنه قانون مهم، بل لأنه يمس وترا حساسا في المجتمع والاقتصاد معا، ويفتح نقاشا جدليا حول العدالة بين الأجيال، وسوق العمل، ومستقبل الحماية الاجتماعية، ومثل هذه اللحظات هي في العادة الاختبار الحقيقي للأحزاب لنتبين جوهرها، فهل هي تكتفي بالشعارات؟ أم تدخل النقاش العام بأفكار وبرامج وحلول؟
بدافع الفضول المهني، حاولت أن أبحث في ما تيسر من مواد منشورة في الإعلام ووسائل التواصل عن أوراق عمل أو دراسات أو مقترحات قدمتها الأحزاب الأردنية حول هذه التعديلات، فالأحزاب، في نهاية المطاف، يفترض أن تكون مؤسسات تفكير سياسي واقتصادي، لا مجرد منصات بيانات، ودورها الطبيعي، بل واجبها، أن تدخل الجدل العام حول القوانين الكبرى، وأن تقدم قراءات وبرامج تمثل مصالح من ينتسبون إليها أو من تسعى إلى استقطابهم وتمثيلهم.
لكن ما ظهر في الغالب كان شيئا مختلفا، فمعظم ما صدر عن الأحزاب جاء في شكل بيانات سياسية عامة، كثير منها اتخذ طابعا شعبويا مباشرا مثل رفض التعديلات، أو التحذير "المطلق والعام" من آثارها، أو الدعوة إلى سحب المشروع، وهي مواقف مفهومة سياسيا، لكنها في معظمها لم تحاول مناقشة البنية الاقتصادية للنظام التقاعدي نفسه، ولا تعمل على تقديم بدائل واضحة يمكن أن تشكل أساسا لنقاش سياسات حقيقي.
وسط هذا المشهد برز موقفان حزبيان أكثر جدية نسبيا في محاولة التصدي للموضوع. الأول كان ورقة موقف أصدرها حزب مبادرة، حاول فيها الحزب تسجيل رؤية سياسية تجاه التعديلات والدعوة إلى إعادة النظر فيها، ورغم أهمية هذه الخطوة، إلا أنني كنت أتمنى لو توسعت هذه الورقة أكثر، لتتحول من موقف سياسي إلى برنامج تفصيلي يعكس رؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة للحزب في ملف الضمان.
أما المحاولة الثانية – وربما الأكثر احترافا حزبيا في المشهد- فجاءت في ورقة تفصيلية قدمها الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني، وهي ورقة يمكن وصفها بأنها أقرب إلى دراسة سياسات منها إلى بيان سياسي، فالوثيقة لا تتوقف عند قبول التعديلات أو رفضها، بل تحاول قراءة التشريع نفسه في سياق الأزمة البنيوية التي يواجهها نظام الضمان الاجتماعي في الأردن.
تنطلق الورقة من فكرة أن المشكلة في الضمان ليست وليدة التعديلات الحالية، بل نتيجة تراكم طويل من السياسات التي اعتمدت ترحيل الأزمات بدلا من معالجتها، لذلك ركزت على تحليل الأساس المالي للنظام، مشيرة إلى أن الدراسات الأكتوارية تتوقع وصول الضمان إلى نقطة التعادل الأولى خلال العقد المقبل، حين تتساوى الاشتراكات مع قيمة الرواتب التقاعدية المدفوعة، قبل أن يصل لاحقا إلى مرحلة أكثر حساسية قد يضطر فيها النظام إلى الاعتماد على عوائد استثماراته ثم أصوله إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون إصلاحات إضافية.
كما تناولت الورقة واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش حول الضمان، وهي الانتشار الواسع للتقاعد المبكر، حيث يشكل المتقاعدون مبكرا نسبة كبيرة من إجمالي المتقاعدين، ويستحوذون على حصة كبيرة من فاتورة الرواتب التقاعدية، وهو ما يزيد الضغط المالي على النظام ويؤدي إلى اتساع الفجوة بين الاشتراكات والمنافع.
اللافت في هذه الورقة أنها لا تكتفي بالنقد، بل تحاول تقديم مقترحات تتسق مع رؤية الحزب، مثل إعادة ضبط العلاقة بين الاشتراكات والمنافع على أسس أكثر توازنا، والحد من التقاعد المبكر دون إلغائه باعتباره شبكة أمان اجتماعي، وتوسيع قاعدة المشتركين عبر إدماج العاملين في الاقتصاد غير المنظم وأنماط العمل الجديدة.
قد يختلف كثيرون مع بعض ما جاء في هذه الورقة أو مع مقترحاتها، وهذا أمر طبيعي في النقاش العام لكن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات أنها تنقل النقاش من مستوى البيانات إلى مستوى السياسات. وهذا، في النهاية، هو الدور الذي يفترض أن تقوم به الأحزاب: أن تدخل الجدل العام بأفكار وبرامج، لا أن تكتفي بمراقبته من الخارج.
"الغد"