بين صمت الأرض وضجيج الإعلام: كيف تُروى الأحداث الزلزالية في منطقتنا؟
م. غسان سويدان
18-01-2026 12:34 AM
لا تبدأ الزلازل من شاشات التلفزة، لكنها غالبًا تنتهي عندها، فبين لحظة اهتزاز الأرض ولحظة بث الخبر العاجل، تُعاد صياغة الحقيقة العلمية بلغة الخوف، أو تُختصر إلى عنوان مثير، أو تُدفن في زحام الأخبار السياسية، وفي منطقة مثل الأردن وفلسطين ولبنان حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ يصبح السؤال ملحًا: هل يُظهر الإعلام حقيقة الخطر الزلزالي، أم يخفيها؟
علم الزلازل علم صامت بطبيعته، لا يطلق نبوءات ولا يَعِدُ بتنبؤات دقيقة، بل يعمل بلغة الاحتمالات بالاستناد إلى سجلات تاريخية موثقة، تنبثق عنها نماذج معقدة تُفسر حركة الصفائح التكتونية للقشرة الارضية على مدى عقود وقرون. ومع ذلك فإنه كثيرًا ما تم تقديمه للجمهور وكأنه علم (فشل في التنبؤ)، لا علم (نجاح في الفهم). وللمفارقة، فعندما تُسجَّل هزة أرضية ضعيفة، تُرفَع أحيانًا إلى مستوى إنذار بزلزال مدمر، وعندما تصدر دراسات علمية تحذّر من مخاطر زلزالية حقيقية على المدى المتوسط أو البعيد، تمرّ بصمت، لأنها لا تصلح مادةً عاجلة ولا تملك صورة جاذبة لأذن المستمع.
ومن منظور تاريخي، إن الزلازل ليست جديدة على هذه الأرض، ففي عام 363 ميلادي، دمّر زلزال عنيف مدنًا كبرى مثل القدس وجرش وبيسان، وتأثرت بها البترا بشكل واضح، وغيّر أنماط الاستيطان في المنطقة لقرون لاحقة. وفي عام 749 ميلادي، ضرب زلزال مدمر طبريا وادي الأردن، فمحا مدنًا كاملة على امتداد صدع البحر الميت، ولا تزال آثاره الجيولوجية واضحة حتى اليوم. أما زلزال أريحا عام 1927، فقد كان آخر شاهد حي نسبيًا، حيث امتد الاهتزاز على مساحات واسعة من فلسطين والأردن، وكان الأثر الأكبر له في مدن عمّان والقدس ونابلس وكان اجدادنا شهود عيان على حقيقة علمية موثقة. غير أن الزمن حين يطول يصنع وهم الأمان، والمجتمعات حين تنسى تصبح أكثر هشاشة، والإعلام حين لا يستحضر التاريخ يساهم –دون قصد أحيانًا– في صناعة هذا النسيان.
الأردن: بين المعرفة العلمية وذاكرة المجتمع
في الأردن، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح؛ فالمملكة تقع مباشرة على صدع البحر الميت التحويلي، أحد الأنظمة التكتونية النشطة في المنطقة، وتُسجَّل سنويًا عشرات إلى مئات الهزات الأرضية الضعيفة، معظمها لا يشعر بها المواطنون، وهذه الهزات من منظور علمي ليست مدعاة للهلع، بل مؤشرات طبيعية على ديناميكية الأرض. غير أن التغطية الإعلامية كثيرًا ما تقع بين نقيضين: إما تهويل مفاجئ عند أي نشاط زلزالي، أو تجاهل شبه كامل للحديث الجاد عن المخاطر الحقيقية، ومثل ذلك جاهزية البنية التحتية، ومعايير البناء المقاوم للزلازل، ووعي المجتمع بكيفية التصرف أثناء الكوارث. وهكذا، يبقى النقاش محصورًا في لحظة الخبر لا في سياق الخطر طويل الأمد.
يمتلك الأردن خبرات علمية ومؤسسات رصد زلزالي قادرة على تقديم معلومات دقيقة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه المعرفة إلى خطاب إعلامي مبسّط ومسؤول ومستمر يحوّل العلم من ردّ فعل بعد الحدث إلى ثقافة وقاية قبل وقوعه. وهنا تكمن المشكلة والمتمثلة في كيفية نقل الحدث بل في غياب السياق.
فالزلزال ليس حدثًا منفصلًا، بل هو حلقة من سلسلة طويلة، وعندما يُقدَّم للجمهور دون شرح ما هو الفرق الجوهري بين التنبؤ والإنذار المبكر، أو دون توضيح أن الصمت الزلزالي قد يكون أخطر من النشاط المتكرر، تتحول المعرفة العلمية إلى مادة ملتبسة، وتتوه البوصلة بين العلم والتهويل.
لكن في المقابل، هناك حقائق علمية تُؤجَّل أو تُخفى كخرائط المخاطر الزلزالية، وضعف البنية التحتية، وحاجة المدن إلى معايير بناء مقاومة للزلازل، لا تحظى بالمساحة ذاتها التي تحظى بها صور الدمار بعد وقوع الكارثة، كأن الإعلام ينتظر الزلزال ليبرر الحديث عنه، بدل أن يسبق الحدث بالتوعية. وهنا تصبح المسؤولية مشتركة، فالإعلام مطالب بأن يكون جسرًا بين العلم والمجتمع، لا مكبّر صوت للخوف، والعلماء مطالبون بالخروج من لغتهم التقنية المغلقة والتحدث بلغة يفهمها الناس دون التضحية بالدقة، والمؤسسات الرسمية مطالبة بالشفافية، لأن كتمان المخاطر لا يلغيها، بل يضاعف آثارها. فالزلازل لا تكذب ولا تجامل ولا تنتظر نشرات الأخبار. فللأرض قوانينها، وبين صمتها وضجيج الإعلام، يبقى الرهان الحقيقي على وعيٍ عام يفهم أن الكارثة قدر مفاجئ ولكنه خطر يمكن تقليل خسائره بالعلم والتخطيط والإعلام المسؤول.
في منطقتنا، حيث التاريخ مكتوب على الصخر، لا على الورق فقط، ربما آن الأوان أن نتعامل مع الزلازل لا كأخبار عاجلة، بل كحقيقة علمية مستمرة، تستحق أن تُروى بصدق قبل أن تعيد الأرض تذكيرنا بها بطريقتها الخاصة.
والله من وراء القصد
الرأي