وبعد كل الذي جرى ويجري؛ هل بقيت مساحات لانتظار المزيد من الوجع الوطني والقلق الشعبي؟ وهل بات واجباً على الدولة أن تعيد إنتاج نُخبها، وتُعيد فرزها بما يحقق السلم الأهلي والوئام الوطني؟ وإلى متى تبقى رائحة "العفن النخبوي" تُزكم أنوف الشرفاء دون رحمة بهذا الوطن السيّد الكبير؟ أما آن الأوان للعقل الجمعي أن يلفظ هؤلاء من بين ظهرانينا؟ ونُعيد لسلوكنا السياسي لون الشمس الأردنية الجميلة التي تُشرق علينا بطُهر الأمس.
النُخبة السياسية تدور بين الخوف والقلق و"العفن السلوكي" والإدانة الشعبيّة، وامتزاج الغثّ بالسمين، وتلك النخبة مرّت بالكثير من عوامل الإنحدار والإندثار، وتلاقحت بمصالح الليبراليّة الجديدة التي تغيب فيها المروءة الوطنيّة، ومصالح الوطن العليا؛ فتحولت الوطنيّة إلى نفعية، والمبادئ إلى مصالح تدور بين الشلليّة والفرديّة، وتاهت منظومة القيم التي تحفظ للموقع العام هيبته وجلاله، وللمال العام والثقة العامّة حرمتهما ومكانتهما.
لم تتلوث كل النُخب الوطنيّة، ولكن مساحة الخوف والهروب في تلك الفئة التي لم تتلوث بعد اتسعت إلى المدى الذي يثير القلق المُفزع، وباتت التساؤلات المُرعبة تثير حنق الناس دون جواب أو أمل بتغيير الصورة النمطية في استدعاء النخب وإعادة تدويرها، ولعل السؤال الكبير الذي يطرحه البسطاء والفقراء والبؤساء الصابرين، ما الذي يجعل الدولة تصبر عليهم دون حساب؟ ومن الذي يؤخر اجتثاثهم؟ وإلى متى؟.
كلّ الذين يحبون وطنهم يريدون مُراجعة سريعة وعاجلة لسلوك النخب السياسيّة في المواقع العامّة وخارجها، وتقييم مساراتها الخطيرة، وإعادة رسم خريطة الأفق العام بقواعد المروءة الوطنيّة، وقدسية التراب العزيز، ونبل القيادة، ومشاعر الوفاء لهذا الوطن الذي يستحق منا كل مظاهر النزاهة والشفافية والإخلاص؛ وطن الشهداء والبناة الأوائل وأبطال الكرامة.
في فمي ماء، وخطيئة الانحراف السياسي والقيمي تقتضي أن تكون القضبان عازلة بيننا وبينهم، ولعل السؤال الكبير، إلى متى؟ بات يفوق فهم العامّة وصبر الشرفاء، ولسان حال الناس يقول: لقد تكسرت أضلاع صدورنا من صلف هؤلاء الجاثمين عليها زوراً وبهتاناً، ويصادرون أحلامنا المُسجّاة على مذبح الوفاء الوطني الصادق.
إلى متى يبقى دَرن الساسة و" تقيّح النُخب" عالقاً بمستقبل أبنائنا ورغيف خبزنا، ألا يستحق هذا الوطن مراجعة حقيقية وأمينة لسلوك نخبها؟
لقد هرمنا من "عفن البُغاث"، وأضنانا عشق هذا التراب، وكفى ...