facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كثرةُ الناصحين… وقلّةُ الآخذين: حين تتحوّل الحكمة إلى استعراض


محمد مطلب المجالي
26-02-2026 11:12 PM

في زمنٍ تتزاحم فيه المنصّات وتتكاثر فيه الشاشات، لم تعد الحكمة نادرة، بل صار الناصحون أكثر من المحتاجين إلى النصح، وصار الوعظ سلعةً تُعرَض كل صباح ومساء، حتى غدا الفضاء الرقمي، وعلى رأسه “فيسبوك”، سوقًا مفتوحًا للقَيمين على عقول الناس، وأصحاب الأحكام الجاهزة، وحكماء المناسبات.

العجيب في هذا المشهد أن النصيحة لم تعد فعلَ مسؤولية، بل صارت استعراضًا لغويًا، يُكتَب بسرعة ويُنسى بسرعة، ويُشارَك بلا تجربة، ويُصدَّر بلا معاناة. كلماتٌ منمّقة عن الصبر، والعدل، والرضا، والزهد، والنجاح، لكنّها في كثير من الأحيان لا تعكس سلوك قائلها، ولا تُترجَم إلى فعلٍ في حياته. كأننا أمام جيلٍ يتقن الكلام عن القيم أكثر مما يتقن ممارستها.

امتلأ “الفيس” بالقَيمين: قيّمٌ على الأخلاق، وآخر على السياسة، وثالث على الدين، ورابع على شؤون الناس الخاصة والعامة. الجميع ناصح، والجميع حكيم، والجميع يرى الطريق أوضح من غيره. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا يتغيّر الواقع إذا كانت النصائح بهذا الفيض؟ ولماذا تبقى الأزمات في مكانها، والخصومات على حالها، والانقسامات تتسع، رغم هذا السيل من المواعظ؟

الجواب بسيط ومؤلم: لأننا أكثر الناس إعجابًا بصوتنا، وأقلّهم استعدادًا لسماع غيرنا. نحبّ أن نُسدي النصيحة، ولا نحبّ أن نكون طرفًا فيها. نُحمِّل الآخرين واجب الإصلاح، ونبرّئ أنفسنا من عناء التغيير. صرنا نكتب عن الصدق ولا نلتزمه، وننشر عن التسامح ونمارس الإقصاء، ونتغنّى بالحكمة ونغضب لأتفه سبب.

ثمّة فرقٌ كبير بين “الحكيم” و”الناصح الموسمي”. الحكيم يزن كلامه بفعله، ويجعل من تجربته جسرًا يعبر عليه الآخرون، لا منصةً يطلّ منها عليهم. أما ناصح المنصّات، فيكتفي بجملةٍ بليغة، أو اقتباسٍ محفوظ، ليُقنع نفسه قبل غيره أنه أدى واجبه الأخلاقي.

وكأن بعضهم يحتكر الحقيقة، وكأن الوطنية حكرٌ عليه، والأكثر حرصًا على الوطن دون سواه. لكن السؤال الأصدق: أين كانوا حين كانوا في مواقعهم؟ ولماذا لم نسمع هذه النصائح في وقتها؟ إن النصائح المتأخرة لا تُنقذ قرارًا، ولا تُصلح خطأً، ولا تُلزم الدولة بشيء، لأنها جاءت بعد أن صار الكلام أسهل من الفعل، وأرخص من المسؤولية.

ومن كثرة الناصحين سئم الناس منصّات التواصل، واختلطت عليهم الأمور بين الصدق والاستعراض الإعلامي، فلم يعودوا يميّزون بين من يقول الكلمة لأنه يؤمن بها، ومن يقولها لأنه يبحث عن تصفيقٍ عابر أو حضورٍ افتراضي.

إننا لا نعاني نقصًا في الوعّاظ والمتطوّعين، بل نعاني ازدحامًا فيهم، حتى غدا الوعظ أكثر من الفعل، والكلام أسبق من العمل، وتقدّم الخطاب على الحساب، وغابت المسؤولية خلف ستار البلاغة.

ولأن الحكم المجانية لا تكلّف صاحبها شيئًا، فقد كثرت وتناسلت، حتى ضاعت الحكمة الحقيقية بين كثرة الأصوات وتشابه العبارات. صار الناس يشكّون في كل نصيحة، لا لأنها خاطئة، بل لأنها قيلت بلا ثمن، وبلا التزام، وبلا استعداد لتحمّل نتائجها.

نحن لا نعاني من فقر في الكلام، بل من عجز في التطبيق. ولا نفتقر إلى الحكم، بل إلى من يحملها على كتفيه ويمشي بها في دروب الحياة. فالحكمة ليست منشورًا يُكتب، ولا مقطعًا يُتداوَل، بل موقفٌ يُتَّخذ عند الغضب، وعدلٌ يُمارَس عند القدرة، وصمتٌ يُختار حين يكون الكلام فتنة.

لعلّ حاجتنا اليوم ليست إلى مزيد من الناصحين، بل إلى قِلّةٍ صادقة من العاملين. إلى أناسٍ يعلّموننا بأفعالهم قبل أقوالهم، ويجعلون من سلوكهم نصيحةً تمشي على قدمين. فحين تُترجَم الحكمة إلى حياة، تقلّ الحاجة إلى الوعظ، ويصير للكلمة وزن، وللنصيحة هيبة.
وفي زمن امتلأ بالحكم المجانية، تبقى الحكمة الحقيقية نادرة… لأنها ببساطة: مُكلِفة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :