هل هكذا تُدار المستشفيات الحكومية يا دكتور أبو رمان؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
19-01-2026 10:51 AM
صدقوني.. قد يبدو سؤالاً عادياً في ظاهره.. لكنه يحمل في داخله وجع لواقع اعتدنا عليه أكثر مما ينبغي.. هل هكذا تُدار المستشفيات والمؤسسات الحكومية؟!.. سؤال لا يبحث عن إجابة.. بقدر ما يفتش عن معنى.. عن استثناء.. عن دليل أن ما نعيشه من سخط.. ليس قدراً مكتوباً لا فكاك منه..
لو سألت الكثير من مراجعي المؤسسات الحكومية بمختلف نشاطاتها عن رضاهم.. فلن تحتاج إلى كثير جهد لتوقّع الجواب.. تُقابِلنا وجوه متعبة عابسة.. وقت مهدور.. أبواب مغلقة بانتظار موظف لا تكتمل المعاملة إلا بحضوره.. وأحياناً ليست قليلة.. يحدثوننا بنبرة ازدراء.. تُشعرك أن طلبك للخدمة ليس من الضروريات.. هذا هو المشهد المألوف والاجوبة المتوقعة.. حتى صار التذمر جزءاً من الروتين اليومي.. وكأن الرداءة حق مكتسب.. لا يُسأل عنه أحد..
لكن ما حدث في مستشفى الحسين (السلط الجديد).. كسر هذا النمط الثقيل.. بالأمس إبني كان مراجعاً للعيادات الخارجية.. أجرى فحوصات طُلبت منه.. وعاد إلى العيادة كما طُلب منه بعد خروج النتيجة.. ليجد الطبيب قد غادر غاضباً.. والباب مغلقاً.. ومجموعة مرضى تائهين بين الانتظار والتذمر.. مشهد عادي جداً.. ومتوقع..
يقول إبني.. لم تمض بضع دقائق على إيصال الملاحظة للإدارة من قبل أحد المرضى العاديين.. وإذا بالباب يُفتح.. ليس على استحياء.. بل بحضور مدير المستشفى نفسه.. الدكتور رامي أبو رمان.. ومعه طبيبان اختصاصيان.. لا ليبرر.. ولا ليُحمّل المرضى خطأ غيرهم.. بل ليقول ببساطة.. إن التأخير حصل.. وإنهم هنا لتعويضه.. وإن الاعتذار واجب لا منّة.. فهدأت النفوس.. وتبدد الغضب.. وشعر الناس أن كرامتهم لم تُداس تحت حجة الضغط.. أو نقص الكوادر..
عندها فقط تسلل السؤال الحقيقي إلى الذهن.. هل ما حدث استثناء نادر؟!.. أم أن الإدارة حين تكون واعية ومسؤولة.. قادرة على استيعاب الحدث.. وعلى تحويل المؤسسة من عبء إلى ملاذ؟!.. والتذمر والغضب إلى رضا؟!..
فهل المشكلة في الإمكانيات فعلاً.. أم في عقول أنهكها الكسل.. وقلوب لم تعد ترى في المُراجع إنساناً.. بل رقماً مزعجاً؟!..
الدكتور أبو رمان لم يقدّم معجزة.. ولم يخترع نظاماً جديداً.. هو فقط تعامل بمنطق.. أن المنصب تكليف لا تشريف.. وأن المريض أولوية لا عبء.. وأن سمعة المؤسسة تُبنى من موقف.. من دقيقة اهتمام.. من اعتذار صادق في لحظة غضب.. وهنا تكمن الإدانة الصامتة لكل مسؤول مترهل.. يختبئ خلف مكتبه.. ويترك الناس تتآكل على الأبواب وفي الطوابير..
شكراً من القلب دكتور رامي أبو رمان.. لأنك ذكّرتنا أن هذا الوطن لا يزال بخير.. ما دام فيه من يفهم معنى المسؤولية.. ولكم وأمثالكم تُرفع القبعات احتراماً.. لا لأنكم فعلتم أكثر مما يجب.. بل لأنكم فعلتم ما يجب.. وكم نتمنى أن يكون هذا المشهد في كل مؤسساتنا قاعدة لا استثناء.. وأن يتعلم المتقاعسون.. أن الكرسي لا يصنع مسؤولاً.. بل المسؤول هو من يمنح الكرسي قيمته.. قبل أن يسأل الناس ساخرين.. هل هكذا تُدار مؤسساتنا؟!..