facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"الفضيلة المؤجلة" واعترافات ما بعد السلطة


فيصل تايه
19-01-2026 11:20 AM

آثرت ان اتابع تصريحات دولة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور هاني الملقي بتفاصيلها كاملة ، والتي لم تكن مجرد مداخلة فكرية في ندوة عامة، ولا رأياً شخصياً لرجل غادر موقعه التنفيذي، بل بدت أقرب إلى لحظة اعتراف سياسي خرجت من داخل التجربة نفسها ، فحين يتحدث رئيس حكومة سابق عن اختلالات عميقة في بنية الدولة، وعن خلل في العلاقة بين المواطن والنظام العام، وعن تراجع التعليم بوصفه خطراً وجودياً، فإن ما يقال يتجاوز صاحبه، ويستحق أن يقرأ بوصفه مؤشراً على أزمة أعمق ، وأطول عمراً من ولاية.

من المعروف ان دولة الدكتور الملقي لم يكن اسماً عابراً في الذاكرة السياسية الأردنية ، فحكومته جاءت في مرحلة شديدة الحساسية، مثقلة بملفات اقتصادية صعبة وضغوط مالية خانقة، وانتهت بخروجها تحت ضغط الشارع ، فرحيل حكومته لم يكن وليد قرار واحد ، ولا نتيجة قانون ضريبة الدخل وحده، بل كان حصيلة تراكم طويل من الاحتقان وفقدان الثقة ، فالشارع لم يخرج رفضاً لضريبة الدخل فقط، بل عبر عن شعور متنام بأن المواطن يستدعى دائماً لتحمل الكلفة، من دون أن يكون شريكاً حقيقياً في القرار، أو شريكاً في صياغة الأفق السياسي والاقتصادي ، ففي تلك اللحظة، لم تعد الأدوات التقليدية قادرة على الاحتواء، ولم يعد خطاب "الإصلاح" مقنعاً في ظل غياب العدالة والشفافية.

من هذه الزاوية، تكتسب تصريحات الملقي اليوم معناها الأعمق ، فهي لا تأتي من موقع التبرؤ ولا من موقع الهجوم، بل من موقع من لمس حدود النموذج الذي أُديرت به الدولة لسنوات، فحين تحدث عن اختلال ميزان الحقوق والواجبات، كان يصف واقعاً مألوفاً للأردنيين، حيث طلب منهم الصبر والانضباط، في مقابل حقوق مؤجلة، وعدالة غير مكتملة، وتمثيل سياسي محدود الأثر ، ومع الزمن، تحولت هذه المعادلة إلى فجوة ثقة، وتحولت الفجوة إلى غضب صامت، ثم إلى تحول سياسي حين توافرت اللحظة.

أما حديثه عن "الحروب الداخلية" فقد بدا للبعض قاسياً، لكنه في جوهره توصيف لحالة إنهاك معنوي تعيشها الدولة والمجتمع معاً ، فالأردن، إلى جانب تحدياته الخارجية، واجه في السنوات الأخيرة تآكلاً بطيئاً في الثقة العامة، سببه غياب الروايه الرسمية والشرح الكافي لها ، وتأخر المصارحة، واعتماد خطاب لا يلامس دائماً القلق الحقيقي للناس ، فحين يغيب الحوار الصادق، ويتراجع الإحساس بالشراكة، يصبح الداخل هشاً مهما بدا مستقراً في الظاهر، وهو ما كشفت عنه تجربة حكومة الملقي بوضوح عندما عجزت السياسة عن استيعاب الشارع.

اما في الاقتصاد، فقد حملت تصريحات الملقي اعترافاً غير مباشر بأن النهج السائد كان مالياً أكثر منه تنموياً، وإدارياً أكثر منه اجتماعياً ، والتركيز على المؤشرات والعجز والدين، بمعزل عن أثر السياسات على حياة الناس اليومية، ما جعل "الإصلاح” كلمة ثقيلة في الوعي العام ، اذ ان الاقتصاد ليس أرقاماً فقط، بل شعور بالأمان، وقدرة على التخطيط، وأمل قابل للتصديق ، وحين يطلب من المواطن أن يدفع الثمن مراراً، دون أن يرى تحسناً ملموساً في مستوى الخدمات أو فرص العمل، تتحول السياسات العامة إلى عبء نفسي قبل أن تكون عبئاً مالياً.

غير أن أخطر ما قاله الملقي، وأكثره مساساً بجذر الأزمة، كان حديثه عن التربية والتعليم ، اذ انه هنا لم يكن يتناول ملفاً قطاعياً، بل كان يضع يده على أصل الخلل ، "التعليم" ، الذي شكل لعقود رافعة الحراك الاجتماعي ومصدر فخر وطني، اذ تراجع حين جرى التعامل معه بوصفه بند إنفاق لا مشروع دولة، وحين انهكت المدرسة الحكومية، وتراجع موقع المعلم مادياً ومعنوياً، وغابت الرؤية الشاملة لما نريده من التعليم ودوره في بناء الإنسان والاقتصاد معاً ، فهذا التراجع لم يكن تفصيلاً، بل كان تمهيداً طبيعياً لكل الأزمات اللاحقة.

وهنا يلتقي تشخيص الملقي مع التوجيه الملكي الذي لطالما وضع التعليم في صدارة الأولويات الوطنية ، فقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين في أكثر من مناسبة أن الدول لا يمكن أن تتقدم أو تستقر دون نظام تعليمي قوي، يواكب العصر، ويصنع جيلاً قادراً على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية ، هذه ليست مقولة إنشائية، بل قاعدة سياسية واقتصادية واجتماعية ، فحين يضعف التعليم، تضعف الثقة، ويختل الاقتصاد، وتتراجع القدرة على إنتاج نخبة قادرة على الإدارة الرشيدة، وتصبح السياسة إدارة أزمات لا بناء مستقبل.

حديث الملقي عن التعليم لا يمكن فصله عن رحيل حكومته نفسها ، فالمجتمع الذي لم يعد يثق بأن التعليم يضمن مستقبلاً أفضل لأبنائه، هو ذاته المجتمع الذي لم يعد يثق بسهولة بالسياسات الاقتصادية، ولا بالوعود المؤجلة ، فتراجع التعليم يعني تراجع الأمل، وتراجع الأمل يعني هشاشة سياسية واجتماعية تظهر في أول اختبار حقيقي، كما حدث في الشارع عام ٢٠١٨.

ويبقى السؤال المؤلم الذي تفرضه هذه التصريحات : لماذا يقال هذا الكلام بعد مغادرة المنصب؟ ولماذا تتحول الصراحة إلى فضيلة مؤجلة؟ هذه الظاهرة لا تخص الملقي وحده، بل تكشف خللاً في ثقافة الحكم نفسها، حيث يدار القرار بحسابات التوازن أكثر من حسابات المصارحة، ويؤجل النقاش الحقيقي، ثم تأتي الاعترافات بعد انتهاء التجربة ، فالدول القوية تستفيد من النقد والمراجعات أثناء الحكم لتصحيح السياسات، لا بعد مغادرة المسؤولين لمناصبهم.

إن قراءة تصريحات هاني الملقي بروح إيجابية لا تعني تبرئة حكومته من مسؤولية ما جرى، ولا القفز عن حقيقة رحيلها تحت ضغط الشارع، بل تعني التعامل مع التجربة كلها بوصفها درساً سياسياً ثميناً ، درس يقول إن الاستقرار لا يدار بالقرارات وحدها، وإن الإصلاح لا ينجح دون شراكة، وإن التعليم ليس ملفاً ثانوياً، بل شرط بقاء، وإن الثقة إذا تآكلت لا تعود بالخطاب وحده.

بقي ان اقول : ان الدول لا تضعف حين تراجع نفسها، بل حين ترفض أن تتعلم من أسباب إخفاقها ، وما قاله الملقي، مهما جاء متأخراً، يجب أن يقرأ بوصفه مرآة لحالة دولة تحتاج إلى شجاعة في المصارحة، وإلى إعادة بناء علاقتها مع المجتمع على أساس العدالة، والتعليم الجيد كما أراده جلالة الملك ركيزة للاستقرار والتقدم، والاقتصاد الإنساني، والسياسة التي تستمع قبل أن تقرر ، فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالدفاع عن الحكومات، بل بفهم لماذا رحلت، وكيف يمكن ألا تتكرر الأسباب نفسها مرة أخرى.

والله ولي التوفيق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :