هل يعمل الاقتصاد الأردني بكامل طاقته؟
د. حمد الكساسبة
27-02-2026 09:11 AM
ليس السؤال اليوم ما إذا كان الاقتصاد الأردني ينمو، بل ما إذا كان ينمو بقدر ما تسمح به إمكاناته الحقيقية. فالنمو بحد ذاته لا يكفي إذا بقي ضمن حدود منخفضة لا تنعكس بصورة ملموسة على التشغيل والدخل ومستوى معيشة الناس. المسألة لم تعد رقمًا في تقرير اقتصادي، بل اتجاهًا استراتيجيًا يحدد شكل الاقتصاد خلال العقد المقبل.
لقد نجح الأردن في الحفاظ على استقرار نقدي ومالي مهم في بيئة إقليمية مضطربة، وهذه نقطة قوة حقيقية ينبغي البناء عليها. غير أن الاستقرار، بطبيعته، يحمي التوازن ولا يوسّع السقف تلقائيًا. فالاقتصاد قد يكون مستقرًا، لكنه يعمل دون كامل طاقته الممكنة إذا لم تتحسن إنتاجيته ولم يُعاد توجيه موارده نحو أنشطة أعلى قيمة مضافة.
النمو الذي يتراوح في نطاق محدود سنويًا قد يحافظ على الاستمرارية، لكنه لا يكفي لإحداث نقلة نوعية في سوق العمل أو في متوسط الدخل. أما النمو القائم على رفع الإنتاجية، وتحسين كفاءة استخدام رأس المال، وتعميق القاعدة الإنتاجية، فهو الذي يخلق وظائف أفضل وأجورًا أعلى، ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على الصمود أمام الصدمات.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة تعريف النمو في الأردن. فالقضية ليست في زيادة النشاط فقط، بل في نوع هذا النشاط. هل يتجه الاستثمار نحو قطاعات تقليدية منخفضة التعقيد، أم نحو أنشطة صناعية وتكنولوجية وتصديرية قادرة على رفع متوسط الإنتاجية الوطنية؟ الفرق بين المسارين يتراكم عامًا بعد عام، ليصنع فجوة واضحة في مستوى الدخل وفرص العمل.
كما أن رفع السقف الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق دون إدارة عامة أكثر كفاءة، تختصر الزمن الإجرائي، وتخفض كلفة عدم اليقين، وتمنح المستثمرين وضوحًا في القواعد. فالزمن عنصر إنتاجي غير منظور، وكل تأخير إداري ينعكس مباشرة على العائد الاقتصادي. الإدارة التي تدير التحول لا تكتفي بضبط التوازن، بل تهيئ بيئة تسمح بانتقال الموارد إلى الاستخدام الأعلى قيمة.
وفي السياق ذاته، فإن الشراكة الذكية بين القطاعين العام والخاص تمثل رافعة أساسية لهذا المسار، لأنها لا تقتصر على تقاسم التمويل أو المخاطر، بل تقوم على توحيد الجهود لرفع الإنتاجية، وتعميق سلاسل القيمة، وتحويل الاستثمارات إلى محركات نمو حقيقية تنعكس على التشغيل والدخل والاستقرار الاقتصادي.
أما رأس المال، رغم متانة الجهاز المصرفي، فلا يكفي أن يبقى محافظًا ومستقرًا. المطلوب هو توجيه تدريجي ومحسوب لجزء من التمويل نحو القطاعات الأعلى إنتاجية، بحيث يصبح الاستثمار طويل الأجل خيارًا عقلانيًا لا مغامرة. فالاتجاه الذي يسلكه التمويل اليوم هو الذي يرسم شكل الاقتصاد غدًا.
هذه الأسئلة وغيرها تشكل جوهر كتاب أعمل على إعداده منذ فترة بعنوان «الاقتصاد الممكن في الأردن: إمكاناته ومسار رفع طاقته للنمو الاقتصادي النوعي». الفكرة المحورية في هذا العمل هي أن الأردن لا يعاني نقصًا في الإمكانات، بل فجوة بين ما هو متاح وما يُستخدم فعليًا. وأن رفع السقف الاقتصادي ليس شعارًا، بل مسارًا تدريجيًا يقوم على الإنتاجية، وتعميق القاعدة الإنتاجية، وإعادة تشكيل الهيكل القطاعي، وتعزيز الشراكة المؤسسية.
في النهاية، المسألة ليست تقنية بحتة، بل خيارًا استراتيجيًا. إما أن نكتفي بإدارة الواقع ضمن حدوده الحالية، أو ننتقل إلى إدارة الإمكانات المتاحة بثقة واتساق. فالاقتصاد الذي يرفع إنتاجيته يرفع معه مستوى التشغيل والدخل، ويعكس ذلك مباشرة على حياة الناس. والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا هو: هل نقبل بالسقف القائم، أم نقرر أن نرفعه؟.