facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سردية السلط المحروسة السلطانة .. اقدم واطول عاصمة في العالم


د. أحمد عويدي العبادي
19-01-2026 12:01 PM

حين أكتب عن السلط المحروسة السلطانة، فإنني لا أستدعي مدينةً من الماضي، ولا أستحضر ذكرىً جامدة من أرشيف التاريخ، بل أستعيد عاصمة أردنية حيّة للزمن وعبر الزمن؛ كيانًا حضاريًا وسياسيًا واجتماعيًا ظل قائمًا، يتمدد حينًا ويتقلّص حينًا، لكنه لم يفقد يومًا جوهره السيادي ولا هويته العميقة. السلط ليست حكاية عابرة، ولا موضعًا مأهولًا بالصدفة، بل هي عاصمةٌ استمرّ فيها الاستقرار الإنساني والسياسي لما يقارب اثني عشر ألفًا وخمسمئة عام دون انقطاع.

السلط، بهذا المعنى، ليست مدينةً عادية، بل تُعدّ من أقدم العواصم المأهولة والمستمرة في العالم، وعاصمة مملكة بيريا الأردنية التي امتدّ عمرها الحضاري عبر آلاف السنين، محافظةً على توازن نادر بين الأرض والناس والسلطة. إن الحديث عن السلط هو حديث عن دولةٍ قبل الدولة، وعن حكمٍ قبل الإدارة، وعن مجتمعٍ سبق القانون المكتوب بمنظومة أخلاقية واجتماعية راسخة.

أما اسم السلط، فهو اسم عربيّ خالص، مشتق من الجذر (س–ل–ط)، بما يحمله من معاني القوة، والمنعة، والغلبة، والحزم، والسلطان المشروع، مقرونًا بالحِلم والكرم والكرامة. وهو اسم يتناغم تمامًا مع معنى الأردن بوصفه أرض الشدّة والصلابة والمنعة، لا أرض الهشاشة ولا العبور العابر.

وتحمل السلط في الذاكرة الجمعية معاني إضافية راسخة: أرض الكروم والينابيع، أرض القلة الغالبة، أرض القدرة والهيبة. وهي أيضًا جبين البلقاء؛ أي واجهتها المرتفعة المشرفة، حيث تتجاور الخضرة والماء والارتفاع والحماية الطبيعية، وحيث يلتقي السيف بإكرام الضيف، والقوة بالأخلاق، والهيبة بالإنسان.

وعندما خضعت المنطقة للتأثيرين اليوناني والروماني، فإن السلط لم تخضع للاحتلال، بل للتأثير العابر. لم تستطع أي قوة سياسية أو عسكرية أن تُلغي اسمها العربي، بل جرى تحويره صوتيًا وإداريًا إلى صيغة Seltios في مرحلة طارئة، دون أن تنقطع دلالته العربية أو يُمحى معناه من الذاكرة.

بقي الاسم حيًا في اذهان والسنة أهلها، وبقي المعنى كامنًا في الممارسة اليومية: المكان المحروس المرتفع، أرض القوة والسيادة والكروم والينابيع. كان ذلك تحويرًا لغويًا سياسيًا، لا قطيعة دلالية، إذ ظل الاسم يعود إلى أصله كلما أصابه العوج، وأنا—بوصفـي أحد أبنائها—أشهد أن أهل السلط لا يسمحون بتغيير اسمها، ولا أسماء مدن الأردن التاريخية كافة.

في تاريخها الطويل، لم تكن السلط كيانًا تابعًا، بل عاصمة مملكة ذات حكم ذاتي وسيادة راسخة. تعايشت مع القوى الكبرى دون أن تُمحى، وكانت ملاذًا آمنًا ومركز توازن اجتماعي وسياسي، تقوم على شبكة متماسكة من العلاقات العشائرية–الاجتماعية التي شكّلت أحد أعمدة الاستقرار في السلط خاصة، وفي الأردن عامة. هنا لم تكن العشيرة بنية مغلقة، بل نظام حماية وتكافل وضبط اجتماعي، وقوة دفاع رادعة لكل من تجاوز أو تطاول. السلط جمرة وتمرة؛ من قصدها وجد ما اختاره.

ويبلغ تاريخ السلط إحدى ذُراه في العصر السلطاني الأردني التنّوخي، زمن الملكة ماوية التنّوخية، حيث تشكّل حكم مركزي قوي جمع بين السيادة السياسية والشرعية الاجتماعية والوئام الديني. وفي هذا السياق برزت شخصيات أردنية مفصلية، من بينها المطران موسى القضاعي الأردني من أم الرصاص/ميفعة، المرتبط اسمه لاحقًا بـ كنيسة سارة (كنيسة التجلي) في السلط، تلك الكنيسة التي قمتُ شخصيًا، ومعي الصحفي الأستاذ بلال أبو قريق خريسات، باكتشافها علميًا وأثريًا، وأُعيد افتتاحها رسميًا في 15 نيسان (أبريل) 2024 بعد انقطاع دام قرابة 1300 عام، في حدث شكّل استعادة حية لذاكرة دينية–حضارية أردنية عميقة في قلب السلط المحروسة.

وفي عهد الملكة ماوية بلغت مملكة بيريا وعاصمتها السلط أوج اتساعها وقوتها، فامتد نفوذها شرقًا حتى تخوم الربع الخالي، وغربًا حتى البحر المتوسط، وشمالًا حتى تخوم دمشق، وهُزمت قوات الاحتلال الروماني التي جاءت تفاوض صاغرة، ترضخ لشروط الملكة الأردنية العظيمة. ولم تكن بيريا وريثة للأنباط فحسب، بل الخليفة الحقيقية لهم، وقد أضافت إلى إرثهم بعدًا سياديًا جامعًا بين الأرض والهوية والشرعية، وهو ما فصّلناه توثيقًا وتحليلًا في كتابنا:

«المملكة الأردنية المنسية: بيريا وعاصمتها السلط المحروسة».

بهذا الفهم، ليست السلط اسمًا على خريطة ولا صفحة في كتاب، بل مفتاح قراءة للأردن العميق: أرض القوة والمنعة والينابيع والكروم والغابة، وجبين البلقاء، وعاصمة الحكم والسيادة، وموئل الاجتماع العشائري المتماسك. هي مدينة وعاصمة وذاكرة دولة، وشاهد حي على تواصل حضاري لم ينقطع، وعلى قدرة المكان الأردني على إنتاج السلطة والملاذ والشرعية عبر العصور.

وعندما نتحدث عن السلط اجتماعيًا، فإننا نعني أهلها الأصليين: عشائر السلطية، والعبّابيد، والعدوان، والعجارمة، والحمّايدة، وبني حسن، والبلقاوية، وبني صخر؛ أولئك الذين يرون في السلط انها أمّهم جميعا، ويعرفون أن الحفاظ عليها واجب تاريخي ووطني وروحي وأخلاقي.

وحين نكتب عن السلط، فإننا لا نكتب عن حجارة صفراء أو بيوت متدرجة على السفوح، بل عن عاصمة العقل الأردني. مدينة لم تتوسّع بالسيف ولا قامت على القهر، بل نهضت بالاتزان، وبقدرة نادرة على جمع المختلف دون أن تفقد ذاتها. لم تكن مدينة صاخبة، لكنها كانت دائمًا مدينة مقرِّرة، تُنضج المواقف قبل إعلانها، وتزن الأمور قبل خوضها.

لم تُبنَ السلط كقلعة، لكنها كانت حصنًا معنويًا. لم تُحَط بأسوار، لكنها أُحيطت برجال. لم تُعرف بالغزو، بل بالاحتواء. ولهذا لم تُكسر، لأنها لم تدخل لعبة الكسر أصلًا. في السلط تشكّلت واحدة من أقدم صيغ التعايش الحقيقي، المسلم والمسيحي، التاجر والفلاح، الشيخ والمتعلّم، جميعهم شركاء في عقد اجتماعي حيّ، لا مجرد سكّان مكان.

السلط مدينة فهمت الدولة قبل قيامها، واحترمت القانون قبل أن يُكتب، وقدّمت نموذجًا مبكرًا في الإدارة المحلية والتعليم والعمل العام. منها خرج رجال دولة لا يلوّحون بالشعارات، بل يحملون الفكرة بهدوء، ويصنعون الأثر دون ضجيج. وطنيتها ليست انفعالًا، بل سلوك يومي. ليست هتافًا، بل التزامًا.

السلط لا تزاحم على الضوء، لكنها لا تغيب عنه، ولا يسطع دون إذنها.

مدينة لا تدّعي البطولة، لكنها تصنعها.

ولا تصرخ باسم الوطن، لأنها تعرف أنها هي الوطن في أرقى تجلياته العميقة.

وهذا نص لا يشبه غيره، لأن السلط لا تشبه سواها.

فهي الدرة المكنونة والجوهرة المصونة في ارواحنا ودمائنا = انها السلط

وهي—كما كانت دائمًا—مدينة تُضيف إلى الأردن معنى ومبنى، لا مجرد مساحة.

* دكتوراه من جامعة كامبريدج البريطانية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :