facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المليارديرات يربحون… والعالم يدفع الثمن


م. بسام ابو النصر
20-01-2026 12:33 PM

في عالمٍ تتسارع فيه الأرقام أكثر من القيم، لم يعد اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء مجرّد ظاهرة اقتصادية، بل أصبح تعبيرًا صارخًا عن خللٍ عميق في بنية النظام العالمي نفسه. فالتقارير الصادرة عن منظمة أوكسفام، قبيل انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تكشف حقيقة صادمة: الثروة لا تنمو فقط، بل تتكدّس في أيدي قلةٍ ضئيلة، بينما يتراجع ملايين البشر خطوةً إضافية نحو الفقر والعوز.
نحو ثلاثة آلاف ملياردير يمتلكون اليوم ما يزيد على 18 تريليون دولار، ثروة تضاعفت بوتيرة غير مسبوقة منذ جائحة كورونا، في وقتٍ لا يزال فيه قرابة نصف سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر أو على حافته. هذه المفارقة ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة نظام اقتصادي عالمي يسمح بتراكم الثروة بلا سقف، ولا يضع في المقابل آليات حقيقية لإعادة توزيعها بعدالة، سواء داخل الدول أو بينها.

المشكلة لا تكمن فقط في وجود مليارديرات، بل في المنظومة التي أنتجتهم وحمت تضخم ثرواتهم، بينما أضعفت الطبقة المتوسطة، التي كانت تاريخيًا صمام الأمان الاجتماعي والاقتصادي. ففي كثير من الدول، وخاصة الفقيرة منها، أدت سياسات اقتصادية مختلة، وفساد متراكم في المؤسسات، إلى نشوء فئة ضيقة من الأثرياء الجدد، في مقابل تآكل دخول الموظفين والعمال، وانزلاق الطبقة المتوسطة تدريجيًا نحو الفقر المدقع.

ويزداد المشهد قتامة حين نرى أن بعض الأنظمة الحكومية تسمح برواتب فلكية لكبار المسؤولين أو الإدارات العليا، إلى جانب رواتب تقاعدية قديمة تعادل في قيمتها مجموع تقاعد مئات أو آلاف العمال. هذا الخلل الصارخ لا يخلق فقط فجوة اقتصادية، بل يولد شعورًا عامًا بالظلم، ويفقد المجتمعات ثقتها بعدالة الدولة وقدرتها على تمثيل مصالح مواطنيها.

أما على المستوى الدولي، فإن العلاقات بين الدول الغنية والفقيرة لا تزال محكومة بشروط سياسية واقتصادية غير متكافئة. كثير من الدول الفقيرة تُمنع عمليًا من استثمار موادها الأولية، أو من استخدام أراضيها ومياهها بالشكل الذي يرفع الدخل الفردي لمواطنيها، تحت ذرائع متعددة: اتفاقيات مجحفة، أو ضغوط سياسية، أو قيود مفروضة باسم “الإصلاح” و”الاستقرار”. والنتيجة أن هذه الدول تبقى أسيرة تصدير المواد الخام بأسعار زهيدة، ثم تستورد المنتجات النهائية بأثمان باهظة، في حلقة مفرغة من التبعية والفقر.

إن الحديث المتكرر في مؤتمرات النخبة العالمية عن “مكافحة الفقر” و”العدالة الاجتماعية” يفقد معناه حين لا يُترجم إلى سياسات عملية، مثل فرض ضرائب عادلة على الثروات الكبرى، ومحاربة الملاذات الضريبية، وإعادة هيكلة الديون، وتمكين الدول الفقيرة من استثمار مواردها دون إملاءات سياسية. فالتنمية الحقيقية لا تُمنح، بل تُبنى، ولا يمكن أن تقوم في بيئة تُصادر فيها إرادة الدول وحق شعوبها في تقرير مصيرها الاقتصادي.

ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الأرقام المذهلة عن ثروات المليارديرات، بل إرادة عالمية صادقة تعيد التوازن إلى النظام الاقتصادي، وتحمي الطبقة المتوسطة، وتمنح الفقراء فرصة عادلة للحياة. تعاونٌ حقيقي بين الدول الغنية والفقيرة، قائم على الشراكة لا الوصاية، وعلى العدالة لا الشروط السياسية، هو الطريق الوحيد لوقف هذا التكدس غير الإنساني للثروة، قبل أن يتحول إلى وقودٍ لانفجارات اجتماعية لا تُحمد عقباها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :