facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سلام القوة في زمن الاضطراب الدولي


السفير الدكتور موفق العجلوني
20-01-2026 12:42 PM

* مجلس السلام، ومستقبل النظام العالمي

يشهد العالم لحظة سياسية فارقة تتراجع فيها القيم المؤسسة للنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، لصالح مقاربات جديدة تقوم على القوة ، والقرار الأحادي. في قلب هذه اللحظة يقف الرىيس دونالد ترامب، ليس فقط بوصفه شخصية سياسية مثيرة للجدل، بل كعنوان لتحول أعمق في فهم معنى السلام، ودور المؤسسات الدولية، وحدود الأخلاق في السياسة العالمية. من هنا تبرز فكرة “مجلس السلام” بوصفها محاولة لإدارة الأزمات لا حلّها، وإعادة ضبط التوازنات لا تصحيح الاختلالات التاريخية.

لم يعد السلام في الخطاب السياسي المعاصر مشروعًا أخلاقيًا يسعى إلى معالجة جذور الصراع، بل أصبح أداة لإدارة النزاعات بما يخدم استقرار القوى الكبرى. رؤية الرىيس ترامب للسلام تنطلق من منطق تجاري واضح؛ العالم ساحة صفقات، والدول أطراف تفاوض، والنتائج تقاس بما تحققه من مكاسب فورية لا بما تؤسسه من عدالة طويلة الأمد. هذا الفهم يختزل القضايا المعقدة، كالقضية الفلسطينية أو الصراعات الإقليمية، في معادلات أمنية واقتصادية، متجاهلًا الأبعاد الإنسانية والتاريخية.

لغويًا، يعتمد خطاب ترامب على تبسيط مفرط يُفرغ السياسة من تعقيدها الطبيعي. يستخدم ثنائيات حادة، الخير مقابل الشر، النجاح مقابل الفشل، ويقدّم نفسه بوصفه الحل البديل عن “نخب فاشلة” ومؤسسات “عاجزة”. هذه اللغة لا تهدف إلى الإقناع العقلاني بقدر ما تسعى إلى تعبئة شعورية، تجعل من القرار السياسي فعل قوة لا نتيجة نقاش. الكلمات في خطابه ليست وسيلة تفسير، بل أداة هيمنة رمزية تُعيد تعريف الواقع وفق ما يخدم سرديته.

سياسيًا، يقوم مشروع ترامب على تقويض فكرة التعددية الدولية. هو لا يخفي شكوكه العميقة تجاه الأمم المتحدة، ولا يرى في القانون الدولي مرجعية ملزمة، بل يعتبره قيدًا على حرية الحركة الأمريكية. في هذا السياق، يُطرح “مجلس السلام” كمفهوم بديل أو موازٍ، لكنه يواجه تحديًا جوهريًا: هل سيكون إطارًا جامعًا يعكس إرادة المجتمع الدولي، أم مجرد أداة جديدة لشرعنة قرارات تُتخذ خارج الإجماع العالمي؟

التحديات التي تواجه أي مجلس سلام في ظل هذه الرؤية متعددة. أولها غياب الثقة، فالعالم بات ينظر بريبة إلى المبادرات التي لا تنطلق من شرعية دولية واضحة. ثانيها ازدواجية المعايير، حيث يُطلب من الأطراف الضعيفة تقديم التنازلات باسم السلام، بينما تُستثنى القوى الأقوى من أي التزام حقيقي. وثالثها تغييب العدالة، إذ لا يمكن لأي سلام أن يكون مستدامًا إذا لم يعترف بحقوق الشعوب، لا سيما تلك التي تعيش تحت الاحتلال أو الحصار.

الأمم المتحدة، في هذا المشهد، تبدو ككيان حاضر بالاسم غائب بالفعل. فهي تملك الشرعية القانونية والأخلاقية، لكنها تفتقر إلى أدوات الفعل في عالم تهيمن عليه موازين القوة. في المقابل، يمتلك الرىيس ترامب ومن يشبهه القدرة على الفعل، لكنهم يفتقرون إلى الشرعية الأخلاقية التي تمنح القرارات معناها الإنساني. هذا الانفصام بين القوة والشرعية هو جوهر أزمة النظام الدولي الراهنة .

أما عن فرص النجاح، فإن نجاح الرىيس ترامب، إن تحقق، سيكون نجاحًا تكتيكيًا لا استراتيجيًا. قد ينجح في فرض تهدئات مؤقتة، أو عقد صفقات تقلل من حدة بعض الصراعات، لكنه سيفشل في بناء سلام عادل ومستدام. التاريخ لا يكافئ من يوقف الحروب مؤقتًا بقدر ما يُنصف من يعالج أسبابها. والسلام الذي لا يقوم على العدالة ليس سوى هدنة هشة، سرعان ما تنهار عند أول اختبار حقيقي.

العالم اليوم منقسم بين من يتعامل مع الرىيس ترامب بوصفه واقعًا لا يمكن تجاهله، ومن يراه خطرًا على ما تبقى من النظام الدولي.

و لكن ما يتجاوز شخص الرئيس ترامب هو السؤال الأعمق: هل ما زال العالم يؤمن بفكرة السلام العادل، أم أنه اكتفى بإدارة الأزمات وتأجيل الانفجارات؟ في هذا السياق، تبقى قضايا مثل غزة اختبارًا أخلاقيًا حاسمًا، ليس لسياسات ترامب وحده، بل لضمير المجتمع الدولي بأسره.

في النهاية، لا تكمن الأزمة في غياب المبادرات، بل في غياب الإرادة الأخلاقية. السلام لا يُفرض بالقوة وحدها، ولا يُصنع بالصفقات فقط، بل يُبنى بالاعتراف، والعدالة، والاحترام المتبادل. ما لم يدرك العالم ذلك، سيبقى السلام شعارًا جميلًا يُستخدم لتبرير سياسات لا علاقة لها به، وسيظل النظام الدولي يدور في حلقة مفرغة من القوة بلا عدالة، والشرعية بلا فاعلية .

قال الله تعالى: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ .)سورةً الأنفال اية ٣٠ - صدق الله العظيم .

* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :