مسؤولية المنصب ورمزيته الوطنية
خلدون ذيب النعيمي
21-01-2026 02:05 AM
من بديهيات النظم الديمقراطية الحديثية ارتباط امتلاك جزئية اتخاذ القرار العام بالمسؤولية امام الجهات الدستورية سواء كانت سلطة تقليدية برلمانية او أمام الراي العام في ذراعه الاعلامي كسلطة رابعة تتابع الشئون العامة وذلك في ظل الانتشار السريع لوسائل الاعلام الرقمية والتواصل الاجتماعي ، ومعلوم ايضاً ان آلية التعامل مع أي منصب عام مهما علا مرتبته او صغر يعتبر بمثابة معيار لمدى احترام الجميع والتزامهم الوطني والقانوني الذي يحدد التعاطي مع المسؤول في لحظات الاختلاف في الآراء والقرارات ومتابعة سلوكه العملي وتعاطيه في الوظيفة العامة الموكلة اليه بموجب القانون بعيداً عن الاهواء والاسباب الفردية والشخصية ، ومن هنا كانت القوانين المعنية بالتعامل مع حالات الهجوم الشخصي تحت مسميات مختلفة ولا تراعي كل ما سبق .
"سنقوم بكسر أصبعه" ، بهذه الكلمات رد زعيم حزب المستقبل احد اكبر احزاب المعارضة التركية داود اغلو تعقيباً على ما اعتبره تطاولاً من الكاتب الامريكي مايكل روبين ضد رئيس بلاده وقيامه بالإشارة اليه في مقاله بصيغة تفتقر للاحترام والتقدير كما يرى ، لم يمنع اغلو الخلاف السياسي والحزبي وتوجهات العمل العام مع رئيس دولته من ان يقول ذلك عندما رأي في كلام روبين تطاولاً على سيادة بلاده ومكانة رئيس الدولة التي وان اختلف مع آراء من يتولاها وسياساته وقراراته تبقى العنوان العام للاحترام والتقدير الوطني المتفق امام العالم الخارجي ومشهده الدولي ، وليس بعيداً عن هذا الامر ايضاً الاتفاق التقليدي لمختلف المنصات السياسية والاعلامية في الدول الغربية ودعمهم للقرارات العامة التي تتخذ بعد استنفاذ اجراءاتها النقاشية الدستورية والشعبية واصبحت بمثابة توجه عاماً لمصلحة الدولة وشعبها بعيداً عن شخصية متخذ القرار او توجهاته الحزبية او السياسية .
لا شك إن معادن الأشخاص تبرز في لحظات الأزمات ومواقف الاختلاف فتحكم آرائهم وتصرفاتهم وقتها على حقيقة ما يجهرون به ويضمرونه فقد آن القدر ان يختبرهم في هذه اللحظات ، فبوجود من يختلفون معهم في الشدائد تستطيع أن تحكم على الشخص هل ينفذ ما كان يدعيه من الحرص الوطني أم الموضوع لا يغدو بالنسبة له "أجاء حبه على الطاحون والثور ان طاح تكثر سكاكينه" كما تقول الامثال الشعبية ، فالاتفاق على الوطن لا يختلف عن الاتفاق عمن يمثل هذا الوطن شخصاً كان او راية او بندقية ، فنحن جميعاً في هذا الوطن نتفق على رمزية وصفي التل بسيرته العملية الوظيفية والعملية ومع ما يمثله الشهداء موفق السلطي ومنصور كريشان وصالح شويعر كعنوان عطاء للعسكرية الاردنية ، وفي اشد لحظات اختلاف الآراء تبقى ظلال رايتنا الوطنية ذي النجمة السباعية كاتفاق متسعاً للجميع في تألقهم ومحبتهم .
تبقى جمالية المعارضة النظيفة بخير مثال كما مع الرسول صلى الله عليه وسلم حين هاجر من مكة للمدينة فقال : "وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَأَكْرَمُهُ عَلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ"، وهي التي حرص شاعرنا أبو فراس الحمداني في التأكيد عليها وقت اخبره اعداءه ان قومه تخلوا عنه في أسره فقال "بلادي وإن جارت عليّ عزيزة" ، المحصلة بأن الجميع يتبدل ويبقى الوطن ورموزه في بالفكر والوجدان ، الأصعب ان يؤتى الوطن من حيث يقف احد ابناءه ووقتها اما ان يكون أداة لأعدائه او ان يحفظ التاريخ له موقفه "ككاسر أصبع من يشير أليه بالشر ولرموزه بعدم الاحترام" .