facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العمرة .. بين شوق القرب وتجليات الروح


د. بركات النمر العبادي
21-01-2026 10:42 AM

على أعتاب بيت الله الحرام ، وفي رحاب الكعبة المشرّفة ، تتبدّل معاني الزمن والمكان ، وتتجاوز الروح حدود الجسد لتذوب في لحظةٍ من السكون العامر بالحياة ، وبين محراب الروضة الشريفة في مسجد رسول الله محمد ﷺ ، يولد شعورٌ خالص ، لا يُشبه شيئًا من مشاعر الدنيا ، شعور الخشوع بين يدي الحضرة الإلهية.

في العمرة، ليست الأقدام وحدها التي تطوف ، بل الأرواح هي التي تسعى ، والقلوب هي التي تفيض شوقًا ، والعيون تذرف حبًا ، والأنفاس ترتل دعاءً لا يُشبه غيره هناك ، في رحاب مكة والمدينة ، ينسحب البُعد المادي شيئًا فشيئًا ، وتتلاشى الضوضاء الداخلية التي تثقل النفس ، ليبدأ الإنسان في إعادة اكتشاف ذاته ؛ لا بوصفه كيانًا جسديًا ، بل ككائنٍ روحي خلقه الله لعبادته ، وأكرمه بالقرب منه.

الشروق الإلهي ولذة التوق

الإنسان بطبعه كائنٌ تواق ، يسعى دومًا إلى اكتمالٍ لا يجده في المحسوسات ، لكنه في رحاب العمرة ، يدرك أن الاكتمال الحق لا يكون إلا في حضرة الله ، وأن لذّة القرب ليست مجازًا شعريًا ، بل تجربة روحية حيّة تتجلّى في كل شعيرة ، في كل نظرة للكعبة ، في كل دمعةٍ تسقط على أرض الحرم ، وفي كل سجدةٍ تُرفع فيها الأكف إلى السماء.

هذه المشاعر ليست وليدة اللحظة فقط، بل تراكمٌ طويل من الحنين ، من التعب ، من الغربة ، من لهفة اللقاء، هي مشاعر أرواح أرهقها البعد ، وأحرقتها ومضات الجفاء ، فجاءت إلى مكة لتلتحف برحمةٍ لا تنتهي ، وتستنشق نفحات القرب الإلهي.

الروحانية بين الحقيقة والمفارقة

قد يظن البعض أن الروحانية انقطاعٌ عن الواقع ، أو انسحابٌ من الحياة ، لكن في العمرة ، تتجلّى الروحانية بوصفها أسمى درجات الحضور، حضورٌ كامل أمام الخالق ، حضورٌ صادق مع الذات ، وتصالحٌ داخلي يُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه ، وبين الإنسان ونفسه.


الطواف ليس دورانًا عبثيًا، بل هو دورة حياة ، والسعي ليس هرولة جسدية، بل تعبيرٌ عن رحلة البحث، عن معاني الطاعة والثقة واليقين ، وفي هذا السياق، تتحوّل العمرة إلى مختبر فلسفي داخلي ، تُراجع فيه الروح مساراتها ، وتعيد توجيه بوصلتها نحو أصلها الإلهي.


العمرة ليست مجرد طقس ، بل هي تجربة تحول ، رحلة من "أنا" منهكة إلى "نحن" متصلة بالله. فيها تتلاشى الفروق ، وتذوب الحواجز، وتصبح القلوب متحدة في حبٍ واحد ، وغاية واحدة: رضا الله ،هي لحظة الصدق مع الذات ، وموسم تصالح مع كل ما مضى ، واستعداد لما هو آتٍ ، بقلبٍ نقي، وروحٍ عليّة ، ونيةٍ تتوق إلى عتقٍ ورضى ومغفرة من خالقها الواحد الاحد.

حمى الله الاردن





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :