العمرة .. بين شوق القرب وتجليات الروح
د. بركات النمر العبادي
21-01-2026 10:42 AM
على أعتاب بيت الله الحرام ، وفي رحاب الكعبة المشرّفة ، تتبدّل معاني الزمن والمكان ، وتتجاوز الروح حدود الجسد لتذوب في لحظةٍ من السكون العامر بالحياة ، وبين محراب الروضة الشريفة في مسجد رسول الله محمد ﷺ ، يولد شعورٌ خالص ، لا يُشبه شيئًا من مشاعر الدنيا ، شعور الخشوع بين يدي الحضرة الإلهية.
في العمرة، ليست الأقدام وحدها التي تطوف ، بل الأرواح هي التي تسعى ، والقلوب هي التي تفيض شوقًا ، والعيون تذرف حبًا ، والأنفاس ترتل دعاءً لا يُشبه غيره هناك ، في رحاب مكة والمدينة ، ينسحب البُعد المادي شيئًا فشيئًا ، وتتلاشى الضوضاء الداخلية التي تثقل النفس ، ليبدأ الإنسان في إعادة اكتشاف ذاته ؛ لا بوصفه كيانًا جسديًا ، بل ككائنٍ روحي خلقه الله لعبادته ، وأكرمه بالقرب منه.
الشروق الإلهي ولذة التوق
الإنسان بطبعه كائنٌ تواق ، يسعى دومًا إلى اكتمالٍ لا يجده في المحسوسات ، لكنه في رحاب العمرة ، يدرك أن الاكتمال الحق لا يكون إلا في حضرة الله ، وأن لذّة القرب ليست مجازًا شعريًا ، بل تجربة روحية حيّة تتجلّى في كل شعيرة ، في كل نظرة للكعبة ، في كل دمعةٍ تسقط على أرض الحرم ، وفي كل سجدةٍ تُرفع فيها الأكف إلى السماء.
هذه المشاعر ليست وليدة اللحظة فقط، بل تراكمٌ طويل من الحنين ، من التعب ، من الغربة ، من لهفة اللقاء، هي مشاعر أرواح أرهقها البعد ، وأحرقتها ومضات الجفاء ، فجاءت إلى مكة لتلتحف برحمةٍ لا تنتهي ، وتستنشق نفحات القرب الإلهي.
الروحانية بين الحقيقة والمفارقة
قد يظن البعض أن الروحانية انقطاعٌ عن الواقع ، أو انسحابٌ من الحياة ، لكن في العمرة ، تتجلّى الروحانية بوصفها أسمى درجات الحضور، حضورٌ كامل أمام الخالق ، حضورٌ صادق مع الذات ، وتصالحٌ داخلي يُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه ، وبين الإنسان ونفسه.
الطواف ليس دورانًا عبثيًا، بل هو دورة حياة ، والسعي ليس هرولة جسدية، بل تعبيرٌ عن رحلة البحث، عن معاني الطاعة والثقة واليقين ، وفي هذا السياق، تتحوّل العمرة إلى مختبر فلسفي داخلي ، تُراجع فيه الروح مساراتها ، وتعيد توجيه بوصلتها نحو أصلها الإلهي.
العمرة ليست مجرد طقس ، بل هي تجربة تحول ، رحلة من "أنا" منهكة إلى "نحن" متصلة بالله. فيها تتلاشى الفروق ، وتذوب الحواجز، وتصبح القلوب متحدة في حبٍ واحد ، وغاية واحدة: رضا الله ،هي لحظة الصدق مع الذات ، وموسم تصالح مع كل ما مضى ، واستعداد لما هو آتٍ ، بقلبٍ نقي، وروحٍ عليّة ، ونيةٍ تتوق إلى عتقٍ ورضى ومغفرة من خالقها الواحد الاحد.
حمى الله الاردن