الجامعات الأردنية والأزمات المالية… متى تستعيد عافيتها لتستكمل أداء رسالتها؟
محمد مطلب المجالي
21-01-2026 12:17 PM
لم تُوجد الجامعات لتكون مؤسسات مثقلة بالديون، ولا ساحات لإدارة العجز وترحيل الأزمات، بل أُنشئت لتقود التنمية، وتصنع المعرفة، وتُخرّج العقول القادرة على حمل الوطن إلى المستقبل. غير أن الجامعات الأردنية اليوم تقف عند مفترق طرق صعب، تتنازعها أزمة مالية خانقة، وتُثقل كاهلها عوائق التطوير، فتبدو الرسالة أحيانًا أكبر من الإمكانات، والطموح أوسع من الموارد.
لقد اشتدت الأزمة المالية حتى غدت واقعًا مزمنًا يهدد جوهر العملية التعليمية، بعد أن تحولت الموازنات الشحيحة والديون المتراكمة إلى عبء يومي، انعكس على البنية التحتية، وأجّل مشاريع أكاديمية وبحثية كان يُعوَّل عليها في تحسين النوعية وتعزيز التنافسية. ولم تبقِ الأزمة آثارها حبيسة الأرقام، بل انسحبت على البيئة الجامعية برمتها، فزاد الضغط على أعضاء هيئة التدريس، وتراجع الإنفاق على البحث العلمي، وضعفت الخدمات المقدمة للطلبة.
وإلى جانب الضيق المالي، برزت مشكلات أكاديمية وإدارية موازية عمّقت الأزمة. فالأعباء التدريسية المرتفعة، وضعف الحوافز، وبطء تحديث بعض البرامج الأكاديمية، أسهمت في تراجع الإنتاج العلمي واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل. أما إداريًا، فتداخل الصلاحيات، وتعقيد الإجراءات، وبطء اتخاذ القرار، وغياب التخطيط الاستراتيجي، عوامل قيّدت الأداء وأضعفت القدرة على الإصلاح، ورسّخت ثقافة إدارة الأزمة بدل معالجتها من جذورها.
أما عوائق التطوير والتنمية، فلم تعد مرتبطة بالتمويل وحده، بل بنموذج إدارة يحتاج إلى مراجعة شاملة، وباعتماد شبه كامل على الرسوم الجامعية كمصدر للدخل، في ظل محدودية الشراكات الحقيقية مع القطاع الخاص، وضعف الاستثمار في البحث التطبيقي والمعرفة المنتجة.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد عن وجود الأزمة، بل عن طريق الخروج منها. فاستعادة عافية الجامعات لا تكون بالحلول الترقيعية ولا بترحيل الأعباء، بل باستراتيجيات جادّة للنهوض، تُبنى على رؤية وطنية بعيدة المدى، تعيد للجامعة سويّتها الأكاديمية، وتحررها من أعبائها المالية، وتضمن ديمومة عطائها العلمي والتنموي. ويبدأ ذلك بإصلاح نموذج التمويل، وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن استنزاف الطلبة، وتعزيز البحث العلمي وربطه بالاقتصاد الوطني، إلى جانب إدارة جامعية رشيدة تقوم على الحوكمة والشفافية والكفاءة.
إن الدولة، بوصفها الراعي الأول للتعليم العالي، مطالبة بالتعامل مع الجامعات باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا لا عبئًا ماليًا، فجامعة قوية تعني وطنًا أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات. كما أن على الجامعات استعادة ثقة المجتمع، والانفتاح عليه، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
الجامعات الأردنية وُجدت لتبقى، ولتبقى منارات علم لا دفاتر ديون، ومنصات وعي لا مؤسسات منهكة. واستعادة عافيتها ليست خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية ملحّة، لأن أمة تُرهق جامعاتها إنما تُرهق مستقبلها، ووطن بلا جامعات قوية يسير إلى الغد بخطى متعثرة.