الإعلام الجديد وأنسنة الفن
د. تيسير المشارقة
21-01-2026 01:47 PM
شهدت العلاقة بين الفن والجمهور تحوّلًا جذريًا مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، التي لم تعد مجرد منصات للتواصل الشخصي، بل أصبحت فضاءات مفتوحة للإنتاج الثقافي والفني. فقد أسهمت هذه الوسائل في إعادة تشكيل مفهوم الفن، وكسر احتكاره من قبل المؤسسات الثقافية التقليدية، ما أدى إلى دمقرطة الانتاج الفني وجعله أكثر قربًا من المجتمع.
ويبقى السؤال كيف نكسر الاحتكار للفن؟ وهل تقبل نقابة الفنانين التشكيليين عضوية الفنان الذي "تمكّن من حرفته الفنية" بعيدا عن المؤسسات التعليمية والنقابية ، أم أن الشرط هو الحصول على الشهادة العلمية.
قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، كان الوصول إلى الجمهور الفني يمر عبر قنوات محدودة، مثل دور النشر، وصالات العرض، وشركات الإنتاج، والمؤسسات الإعلامية الكبرى. وقد فرض هذا الواقع معايير صارمة غالبًا ما استبعدت "المواهب الشابة أو القادمة من الهامش الاجتماعي والجغرافي". أما اليوم، فقد مكّنت منصات مثل (يوتيوب، إنستغرام، تيك توك، وفيسبوك) الفنانين من عرض أعمالهم مباشرة أمام جمهور واسع دون وسطاء، مما أسهم في تفكيك سلطة المؤسسات التقليدية وفتح المجال أمام تنوّع أكبر في الأصوات والأساليب.
لم تعد ممارسة الفن حكرًا على الفنان المحترف أو الأكاديمي، بل أصبح أي فرد قادرًا على إنتاج محتوى فني ونشره والتفاعل معه. وينبغي الانتباه إلى هذا الأمر. وهذا التحول شجّع على المشاركة الجماعية، وخلق علاقة تفاعلية بين الفنان والمتلقي، حيث بات الجمهور شريكًا في التقييم والنقد وكذلك إعادة التفسير عبر التعليقات والمشاركات وإعادة الإنتاج (Remix).
دمقرطة التلقي وتغيير الذائقة الفنية بات متاحاً بسبب الانتشار الواسع لوسائط التواصل الاجتماعي(الـ سوشيال ميديا). وأسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تغيير أنماط التلقي الفني، إذ لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ سلبي، بل أصبح فاعلًا في تشكيل الذائقة العامة. فالخوارزميات، رغم ما تثيره من جدل، أتاحت للمحتوى الفني الانتشار وفق تفاعل الجمهور، لا وفق قرارات نخبوية. وقد أدى ذلك إلى بروز أنماط فنية جديدة، مثل ((الفن الرقمي، والفيديو القصير، والفن التفاعلي)) التي تعكس إيقاع العصر وتستجيب لحاجات جمهور واسع ومتنوّع.
لقد وفّرت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة تعبير للفئات المهمشة، التي كانت تعاني من الإقصاء الثقافي أو الرقابة الثقافية. وأصبحت هذه الوسائل الحديثة والجديدة الداعم للهويات المهمشة والتعبير البديل. فالفن القادم من الأحياء الشعبية، أو من مناطق النزاع، أو من أقليات ثقافية، وجد في هذه المنصات نافذة لإيصال تجربته الإنسانية، ما عزّز من مفهوم "العدالة الثقافية" وأسهم في إعادة تعريف "المركز والهامش" في المشهد الفني.
رغم الدور الإيجابي لوسائل التواصل الاجتماعي في دمقرطة الانتاج الفني، إلا أن هذا المسار لا يخلو من تحدّيات. فالسعي وراء الانتشار السريع قد يدفع بعض الفنانين إلى تبسيط أعمالهم أو إخضاعها لمنطق "الترند". كما أن هيمنة الخوارزميات قد تؤدي إلى تهميش أعمال ذات قيمة فنية عالية لكونها أقل قابلية للاستهلاك الجماهيري السريع.
تطرح مسألة دمقرطة الفن عبر وسائل التواصل الاجتماعي ضرورة إيجاد توازن بين حرّية التعبير وضمان الجودة الفنية. ويقع هذا التحدي على عاتق الفنانين، والمؤسسات الثقافية كافة، والجمهور معًا، من خلال تعزيز النقد الواعي، ودعم المبادرات التي تجمع بين الإتاحة الواسعة والعمق الفني.
لقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في دمقرطة الانتاج الفني وخاصة التشكيلي، عبر توسيع فضاءات الإنتاج والتلقي، وكسر الحواجز الوهمية والمؤسسية. ورغم ما يرافق هذا التحوّل من إشكاليات، فإن هذه الوسائل تظل أداة فاعلة في جعل الفن أكثر إنسانية، وأكثر قربًا من التجربة اليومية للأفراد.