الشرق الأوسط ليس أرضاً بلا أصحاب
سمير حمدان - بودابست
14-03-2026 11:33 PM
حين تتحول المنطقة إلى ساحة صراع الإمبراطوريات
لتنم إسرائيل قريرة العين
في الشرق الأوسط نادراً ما يمكن فهم الحروب إذا قرئت بوصفها صراعات محلية فقط، فهذه المنطقة لم تكن في أي مرحلة من تاريخها الحديث مجرد مسرح لخلافات إقليمية، بل كانت دائماً نقطة التقاء بين الجغرافيا والطاقة والسياسة العالمية، ولهذا فإن كثيراً من النزاعات التي تبدو في ظاهرها محلية تخفي في عمقها صراعاً أوسع على النفوذ.
في هذا السياق تظهر فكرة غير معلنة لكنها حاضرة بقوة في كثير من الخطابات السياسية التي تبرر الحروب، يجب أن يحدث كل شيء كي تشعر إسرائيل بالأمان، يمكن تفسير الاحتلال باعتباره ضرورة أمنية، ويمكن تبرير القصف باعتباره ردعاً، وحتى الدمار الواسع يمكن تقديمه بوصفه ثمناً للاستقرار.
لكن هذا المنطق يكشف في الوقت نفسه حقيقة أعمق في السياسة الدولية، فالأمن الذي يُبنى على القوة وحدها لا يصنع استقراراً دائماً، بل يحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لصراعات مستمرة.
جغرافيا لا تعرف الحياد
الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة مضطربة سياسياً، بل عقدة جيوسياسية تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا وتتحكم في بعض أهم الممرات البحرية في العالم، من قناة السويس إلى مضيق هرمز تمر عبر هذه المنطقة طرق حيوية للتجارة الدولية، ولهذا فإن أي اضطراب سياسي فيها يتحول بسرعة إلى قضية عالمية.
تشير تحليلات صادرة عن Chatham House إلى أن الموقع الجغرافي للشرق الأوسط ظل أحد أهم العوامل التي جعلت المنطقة محوراً دائماً في حسابات القوى الكبرى منذ بداية القرن العشرين.
الطاقة التي تحرك السياسة
إلى جانب الجغرافيا تأتي الطاقة كعامل حاسم في فهم الصراع على المنطقة، تشير دراسات صادرة عن International Energy Agency إلى أن الشرق الأوسط يملك نسبة كبيرة من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم كما يمثل أحد أهم مصادر الغاز الطبيعي.
ولهذا فإن استقرار أسواق الطاقة العالمية يرتبط بشكل مباشر بما يحدث في هذه المنطقة، وقد أشارت تحليلات نشرتها مجلة The Economist إلى أن المنافسة على تدفقات الطاقة ستظل أحد أهم العوامل التي تحدد شكل السياسة الدولية في العقود القادمة.
فالنفط والغاز في الشرق الأوسط ليسا مجرد موارد اقتصادية بل أدوات تؤثر مباشرة في ميزان القوة العالمي.
عودة الإمبراطوريات إلى المنطقة
ما يبدو أحياناً كصراعات إقليمية يخفي في الواقع تنافساً أوسع بين القوى الكبرى، فالشرق الأوسط عاد مرة أخرى ليصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح الدول الكبرى حيث يتداخل النفوذ العسكري مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
تشير دراسات نشرها Carnegie Endowment for International Peace إلى أن التحولات في ميزان القوى العالمي أعادت المنطقة إلى موقعها التقليدي كساحة تنافس بين القوى الكبرى.
نظام عالمي يتغير
خلال العقود الثلاثة الماضية بدا أن الولايات المتحدة هي القوة الأكثر نفوذاً في الشرق الأوسط، لكن النظام الدولي اليوم لم يعد كما كان بعد نهاية الحرب الباردة، فمع صعود الصين وتزايد دور قوى دولية أخرى بدأت ملامح نظام عالمي أكثر تعددية بالظهور.
تشير تحليلات صادرة عن Council on Foreign Relations إلى أن الشرق الأوسط أصبح جزءاً من توازنات عالمية جديدة حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي في المنطقة، والصين على سبيل المثال أصبحت أكبر مستورد للنفط من الشرق الأوسط وهو ما يدفعها إلى توسيع حضورها الاقتصادي والاستثماري في المنطقة.
حدود القوة العسكرية
في قلب هذه التحولات تسعى إسرائيل منذ عقود إلى الحفاظ على تفوق عسكري واضح في المنطقة، هذا الهدف يشكل جزءاً أساسياً من عقيدتها الأمنية منذ تأسيسها.
لكن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نظام سياسي مستقر، فالشرق الأوسط ليس فراغاً جغرافياً يمكن إعادة تشكيله بالقوة بل فسيفساء معقدة من الدول والهويات والتوازنات التاريخية.
حين تفشل القوة
التاريخ الحديث يقدم دروساً واضحة في هذا السياق، في فيتنام امتلكت الولايات المتحدة تفوقاً عسكرياً هائلاً لكنها لم تستطع فرض النظام السياسي الذي أرادته، وفي أفغانستان خاض الاتحاد السوفيتي حرباً طويلة انتهت بانسحاب مكلف.
وقد حذرت تقارير صادرة عن International Crisis Group من أن النزاعات الطويلة في الشرق الأوسط تميل إلى التعقيد كلما طال أمدها.
اقتصاد الحروب
الحروب لا تدمر المدن فقط بل تترك آثاراً عميقة على الاقتصاد أيضاً، تشير بيانات Stockholm International Peace Research Institute إلى أن الشرق الأوسط يعد من أكثر مناطق العالم إنفاقاً على التسلح مقارنة بحجم اقتصاده، والمفارقة أن الموارد التي يمكن أن تُستثمر في التنمية والتعليم والبنية التحتية تتحول في كثير من الأحيان إلى وقود لصراعات جديدة.
الحقيقة التي لا يريد أحد قولها
ربما المشكلة الحقيقية ليست في الشرق الأوسط نفسه بل في الطريقة التي تنظر بها القوى الكبرى إليه، فالمنطقة لا تُعامل أحياناً كمجتمع حي له تاريخ وثقافة وشعوب بل كمساحة استراتيجية يجب التحكم فيها.
لكن الحقيقة التي يكررها التاريخ بسيطة، الشرق الأوسط ليس أرضاً بلا أصحاب، وكل من يحاول تحويله إلى ساحة دائمة لصراع الإمبراطوريات سيكتشف عاجلاً أم آجلاً أن الحروب قد تمنح النفوذ لبعض الوقت لكنها لا تستطيع أن تصنع نظاماً مستقراً، ففي هذه المنطقة تحديداً قد تربح الإمبراطوريات المعارك لكنها نادراً ما تربح التاريخ .