facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تتنصّل الدولة .. ويُكلَّف الجريح بالتحقيق


محمود الدباس - أبو الليث
21-01-2026 06:35 PM

في بلاد الواق واق.. لا يقع الحادث عند الاصطدام.. بل عند الاصطدام بالحقيقة المؤجلة.. سيارة تفرّ من موقع حادث.. مصاب على الأرض.. أدلة متناثرة.. ثم تبدأ المسرحية الباردة.. “الفاعل ضد مجهول”.. وكأن المجهول يولد من وضوح فاضح.. لا من غياب دليل..

ما بالنا إذا كانت لوحة أرقام المركبة حاضرة.. وأجزاء كبيرة من السيارة.. تشهد على هوية صاحبها.. أكثر مما يشهد هو على نفسه؟!.. ما بالنا إذا كانت الأدلة لا تحتاج عدسة مكبرة.. بل تحتاج قراراً؟!.. في بلاد الواق واق.. الدليل ليس ما يُرى.. بل ما يُراد الاعتراف به فقط..

وما بالنا إذا كان في المكان رجال الدفاع المدني.. بزيهم الرسمي.. بوجودهم الذي يفترض أن يكون طمأنينة لا ديكوراً؟!.. شاهدوا السائق.. تحدثوا معه.. ثم رأوه يفرّ أمامهم.. لا في زقاق مظلم.. بل تحت عين الدولة نفسها.. ومع ذلك.. لم يتحرك شيء.. لم يُحتجز.. لم يُوثق.. لم يُبلّغ فوراً بما يليق بخطورة المشهد.. وهيبة الدولة.. وهنا لا يعود السؤال عن الهارب.. بل عن الصمت الذي سمح له أن يختبر سرعة قدميه أمام سلطة واقفة تتفرج..

ثم تُكتب “الكروكا” ضد مجهول.. لا لأن المجهول مجهول فعلاً.. بل لأن المعلوم أُسقط عمداً من السرد.. وهذا أخطر أنواع التزييف.. تزييف لا يغيّر الوقائع.. بل يغيّر توصيفها.. فيصبح الوضوح عبئاً.. ويصبح الصمت إجراءً.. وتتحول الورقة الرسمية إلى غطاء ناعم لانسحاب الحقيقة..

وهنا تظهر بدعة الـ48 ساعة.. تلك المهلة التي تُقدَّم كإجراء إنساني.. بينما هي في جوهرها مكافأة للهروب.. يُقال للناس إن القانون يمنح الجاني فرصة ليسلّم نفسه.. وكأن الفرار سلوك أخلاقي يحتاج وقت تفكير.. لا فعل إجرامي قائم بذاته.. في بلاد الواق واق.. لا تُعامل الساعات الأولى كأثمن ما في العدالة.. بل كهدية مجانية للجاني.. ليُصلح سيارته.. يطمس أثره.. يعيد ترتيب روايته.. أو يختفي تماماً.. ثم يُسأل المتضرر لاحقاً عن صبره..

هذه الـ48 ساعة ليست حكمة قانونية.. بل إرث قديم واهن.. وُلد في زمن ضعف الأدوات.. لا في زمن الدولة الحديثة.. في زمن لم تكن فيه كاميرات.. ولا تتبع.. ولا قواعد بيانات.. لكنها اليوم تُستخدم وكأن الزمن توقف احتراماً لها.. مع أن الدول التي تحترم فكرة العدالة.. تعتبر الهروب من موقع الحادث جريمة مستقلة.. أشد من الحادث نفسه.. لا تُمنح فيها مهلة.. ولا يُفتح فيها باب نوايا حسنة.. لأن العدالة لا تراهن على أخلاق الجاني.. بل على سرعة الدولة..

وما بالنا إذا لم يقف الأمر عند ذلك؟!.. ما بالنا إذا وجد المتضرر السيارة الهاربة بنفسه.. خلال أقل من ساعة.. وبلّغ الطوارئ.. وبلّغ المركز الأمني المختص.. في زمن ما تزال فيه آثار الحادث ليست ساخنة وحسب.. بل طازة.. ومع ذلك.. لم يحدث شيء؟!.. هنا تتحول الـ48 ساعة من مهلة نظرية.. إلى غطاء عملي للشلل.. لأن كل دقيقة صمت بعدها.. هي مشاركة غير معلنة في طمس الحقيقة..

في تلك اللحظة.. يبدأ سقوط المنظومة بالتدرج.. أولاً.. تجاهل الدليل.. ثم.. تحييد الشاهد بزيّه الرسمي.. ثم.. منح مهلة للهارب.. ثم.. تحويل المتضرر إلى جامع أدلة.. ثم.. إفراغ البلاغ من معناه.. حتى يصل المواطن إلى خلاصة قاسية.. أن الجاني لا ينجو لأنه ذكي.. بل لأن الطريق فُتح له خطوة خطوة.. بصمت أنيق لا يترك بصمات..

وفي بلاد الواق واق.. يُطلب من المتضرر أن يطرق أبواب المحال التجارية.. والمنازل.. والمدارس.. والشركات.. يراجع الكاميرات.. يحمل كتباً رسمية.. كأن الدولة تقول له.. نحن نحتكر العقاب فقط.. نحن نمنحك الورق.. والباقي شأنك.. وكأن البحث عن العدالة خدمة ذاتية.. وكأن الألم تفويض مفتوح بالتحقيق.. لا سبباً للحماية.. هنا لا تُهدر الحقوق دفعة واحدة.. بل تُستنزف حتى يتعب صاحبها ويصمت..

وفي بلاد الواق واق أيضاً.. تَكشفت عدة مرآت قضايا كادت أن تموت.. أو خفُت صوتها حتى التلاشي.. لولا أنها تحولت صدفة.. أو قصداً.. إلى رأي عام.. فجأة.. وخلال زمن قياسي.. تتحرك الملفات من تحت الغبار.. تُفتح الأدراج.. يذوب الصمغ عن كراسي الموظفين والمسؤولين.. تُستدعى الأجهزة.. ويُستعاد النشاط.. وكأن العدالة لا تستيقظ إلا على ضجيج.. ولا ترى إلا إذا أُشير إليها بكاميرا.. أو منشور.. أو اسم ثقيل الوزن.. فهل هكذا تُدار الحقوق؟!..

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة.. هل يحتاج المتضرر في بلاد الواق واق إلى ضجة إعلامية.. أو إلى تدخل مسؤول وازن.. أو إلى صديق نافذ.. لكي تتحرك الأجهزة؟!..

وما بالنا إذا كان المتضرر لا يملك هذه الأدوات؟!.. لا منبراً.. ولا وصولاً للإعلام.. ولا باباً خلفياً لمسؤول.. هل يُترك حقه معلقاً.. لأن صوته منخفض؟!.. وهل تصبح العدالة امتيازاً لمن يعرف كيف يصرخ.. لا حقاً لمن صمت ألمه؟!..

هذا كله لا يقال اتهاماً مباشراً.. ولا تحريضاً.. بل توصيف لمسار.. مسار يجعل التساؤل مشروعاً ومخيفاً في آن واحد.. هل ما يحدث مجرد أخطاء منفصلة؟!.. أم نمط مريح لتغطية الحقيقة دون لمسها؟!.. وهل تصبح الـ48 ساعة.. و”ضد مجهول”.. والصمت حتى الضجة.. أدوات أنيقة لدفن الوقائع بدل كشفها؟!..

في بلاد الواق واق.. لا يُكافأ مَن يلتزم.. بل مَن يفرّ بسرعة كافية.. ولا يُطمأن مَن يُصاب.. بل يُختبر صبره حتى الذبول.. وحين يكتب أحدهم عن ذلك.. لا يطالب بفوضى.. ولا يكسر قانوناً.. بل يرفع مرآة.. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة.. ليس أن تُخطئ.. بل أن ترى الخطأ واضحاً.. ثم تختار أن تنظر إلى مكان آخر.. فماذا يبقى من الهيبة.. حين تتنصّل الدولة.. ويُطلب من الجريح أن يجمع أدلته بيدٍ مرتجفة؟!..

في ختام سولافة الواق واق.. التي أزعجتكم بها أقول.. أحمد الله أننا في الأردن.. ولسنا في بلاد الواق واق..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :