facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تقرير: كيف تعيد الاحتجاجات الإيرانية رسم حسابات الأردن الإقليمية؟


21-01-2026 07:36 PM

عمون - أفاد تقرير صادر عن معهد السياسة والمجتمع، بأن ما يجري في إيران اليوم ليس مجرد موجة احتجاج جديدة يمكن إضافتها إلى سلسلة طويلة من الاضطرابات التي عرفتها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها. هناك شيء مختلف في هذه اللحظة، ليس فقط في حجم الغضب أو اتساعه، بل في توقيته وسياقه. الاحتجاجات تأتي بينما تتغير المنطقة من حول إيران بسرعة غير مسبوقة: حرب غزة انتهت ولم تُحسم سياسيًا، الوجود الإيراني في سوريا تراجع، وشبكات النفوذ التي بنتها طهران خلال عقدين باتت أقل تماسكًا وأقل قدرة على العمل كرافعة استراتيجية للنظام. هذا التزامن يجعل ما يحدث داخل إيران مسألة إقليمية بامتياز، لا شأناً داخليًا يمكن عزله.

لفترة طويلة، كان النظام الإيراني قادرًا على الفصل بين أزماته الداخلية وصراعاته الخارجية، بل على استخدام الثانية لتخفيف الأولى. اليوم، يبدو هذا الفصل أقل وضوحًا. الاحتجاجات تنفجر في لحظة ضعف نسبي، وفي لحظة ارتباك إقليمي، وفي لحظة تشكك داخلي غير مسبوقة في معنى استمرار النظام نفسه.

بناءً عليه، تسعى الورقة إلى تقدير مساري البقاء والانهيار ليس بوصفهما احتمالين نظريين، بل كمسارين عمليين لكل منهما كلفة أمنية مختلفة على الأردن، وتفكيك الكيفية التي يمكن أن ترتد بها تحولات الداخل الإيراني على البيئة الإقليمية الأقرب لعمّان. فالورقة تنطلق من فرضية أن الخطر لا يكمن في الحدث ذاته، بل في ما يخلّفه من فراغات واختلالات في ساحات الإقليم، ولا سيما في سوريا والعراق، حيث تتقاطع شبكات النفوذ والتهريب والفاعلون غير النظاميين. ومن هذا المنطلق، تهدف إلى تحويل متابعة المشهد الإيراني من مجرد مراقبة سياسية إلى فهم يسمح بالتمييز بين المخاطر القابلة للاحتواء وتلك التي تتطلب تحصينًا مبكرًا، وعلى بناء مقاربة تقوم على إدارة عدم اليقين بدل انتظار تبلور نتائجه على الحدود.

أسباب الاحتجاجات الراهنة – من الضائقة الاقتصادية إلى أزمة الشرعية
لفهم لماذا انفجرت الاحتجاجات في هذا التوقيت تحديدًا، لا يكفي تعداد الأسباب، بل يجب قراءة كيفية تراكبها وتحولها إلى لحظة كسر. ما يميّز المشهد الحالي أن العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لم تعد تعمل منفصلة، بل اندمجت في أزمة واحدة مركّبة جعلت الدولة نفسها موضع تساؤل، لا سياساتها فقط. في القلب من هذه الأزمة يقف الاقتصاد، لا بوصفه عامل ضغط معيشي، بل كآلية تفكيك تدريجي للثقة بين الدولة والمجتمع. عندما يتجاوز التضخم حدود 40% ويقترب من 50% سنويًا، تتحول الأزمة إلى مسألة بقاء يومي. خروج تجار البازار في طهران، وهم تاريخيًا أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي للنظام، كان مؤشرًا على انهيار إحدى ركائز الضبط غير الرسمي، ما يعني أن الاحتجاج خرج من الهامش إلى قلب النظام الاقتصادي نفسه.

للمرة الأولى منذ عقود، تواجه طهران أزمة داخلية لا تستطيع تعويضها بنجاح خارجي.

العقوبات الدولية، ولا سيما الأميركية، لم تكتفِ بتعميق الأزمة، بل أعادت تشكيل الاقتصاد السياسي للدولة. فمنذ 2018، أصبحت إيران تعاني من تراجع الإيرادات، وانقطاع شبه كامل عن النظام المالي العالمي، ما أجبرها على بيع نفطها بشروط غير منصفة للصين وتحميل المجتمع كلفة الاستمرار. هنا، تحوّلت العقوبات من عامل خارجي إلى متغير داخلي يعيد إنتاج الغضب عبر تفاقم البطالة، وانهيار العملة، وتآكل الطبقة الوسطى.

سياسيًا، جاءت هذه الضغوط في لحظة انسداد كامل. منذ 2021، ومع سيطرة التيار المتشدد على الرئاسة والبرلمان والقضاء، اختفت فعليًا أي قنوات إصلاح أو وساطة. الانتخابات فقدت معناها، والرموز الإصلاحية إما صامتة أو مقموعة، ما جعل الاحتجاج المسار الوحيد المتاح للتعبير السياسي. في هذه المرحلة، لم يعد الشارع يطالب بتغيير السياسات، بل بدأ يشكك في قابلية النظام ذاته للإصلاح.

إلى جانب ذلك، أسهمت التوترات القومية والمذهبية في تسريع ديناميات الاحتجاج، لا بوصفها سببًا مباشرًا، بل باعتبارها عاملًا مضاعفًا عمّق من حدة الأزمة. فالاحتجاجات المتكررة في المناطق الكردية والبلوشية تعكس تدهورًا معيشيًا، وتشير أيضًا إلى أزمة انتماء مزمنة تجاه دولة مركزية تُنظر إليها على أنها إقصائية. وعندما يتقاطع حراك الأطراف مع غضب المركز، يدخل النظام مرحلة تتجاوز الاضطراب الاجتماعي إلى أزمة شرعية أعمق.

الشرارة الأخيرة جاءت مع إلغاء سعر الصرف التفضيلي للسلع الأساسية. القرار كشف دفعة واحدة عمق الفساد البنيوي، وأظهر أن الدولة لم تعد قادرة على توزيع الخسائر بعدالة، ولا راغبة في حماية الفئات الأكثر هشاشة. عند هذه النقطة، تحوّل الغضب إلى فعل جماعي، ولم تعد أدوات النظام التقليدية قادرة على احتوائه، فخرج الشارع ليس احتجاجًا على قرار، بل على مسار كامل وصل إلى حدّه الأقصى.

موقع النظام الإيراني الآن – دولة منهكة لا منهارة
مع مطلع عام 2026، يقف النظام الإيراني في منطقة رمادية شديدة الحساسية: لم ينهَر، لكنه لم يعد يعمل بكامل طاقته. هذا الوضع الوسيط هو الأخطر سياسيًا وأمنيًا، لأنه ينتج سلوكًا يصعب التنبؤ به. فالدولة لا تزال تمتلك أدوات القمع والضبط، وأجهزتها الأمنية ما زالت متماسكة وموالية، لكنها فقدت القدرة على إدارة الأزمات بالأسلوب نفسه الذي اعتمدته طوال العقود الماضية. داخليًا، تنتشر الاحتجاجات أفقيًا بلا قيادة مركزية يمكن احتواؤها أو التفاوض معها، ما يجعلها أكثر استعصاءً على الإخماد السريع. وإقليميًا، خسر النظام إحدى أهم أوراقه الاستراتيجية بانسحابه من الساحة السورية وتراجع حضوره في معادلة ما بعد حرب غزة، الأمر الذي قلّص قدرته على تصدير أزماته أو استخدام ساحات الإقليم كصمّامات توازن مع الداخل.

إيران اليوم دولة منهكة لا منهارة، وهذا الوضع الوسيط هو الأخطر لأنه ينتج سلوكًا غير قابل للتنبؤ.

في هذا السياق، تواجه القيادة الإيرانية ما يمكن وصفه في أدبيات علم السياسة بـ”اختبار بقاء للنظام” (regime survival stress test)، أي اللحظة التي تُختبر فيها قدرة الدولة على الاستمرار تحت ضغط داخلي وخارجي متزامن. في مثل هذه اللحظات، تعيد الأنظمة السلطوية توصيف الاحتجاج من كونه حراكًا اجتماعيًا ذا مطالب مشروعة إلى تهديد وجودي مدفوع بتدخل خارجي، وهو ما يبرر الانتقال السريع من منطق السياسة إلى منطق الأمن. الخطاب الرسمي الإيراني خلال الأسابيع الأخيرة يعكس هذا التحول بوضوح، إذ جرى تأطير الاحتجاجات بوصفها “فتنة” و”مؤامرة”، لا تعبيرًا عن اختلالات داخلية عميقة، وهو ما يفتح الباب أمام استخدام أدوات قمع استثنائية تحت مظلة حماية الأمن القومي والنظام الإسلامي.

عمليًا، ينسجم سلوك النظام مع نموذج تعظيم القدرة القسرية الذي تلجأ إليه الأنظمة في مراحل الخطر العالي. فقد جرى تعزيز موقع الحرس الثوري باعتباره العمود الفقري لبقاء النظام، ورفع مستويات الجاهزية دون الوصول إلى تعبئة شاملة، في رسالة موجهة للداخل أكثر مما هي استعداد لحرب خارجية. كما أن إشراك الجيش النظامي في حماية المنشآت الحيوية يهدف إلى إظهار وحدة مؤسسات القوة ومنع أي تصور عن انقسام محتمل داخل المنظومة العسكرية، وهي رسالة حاسمة في لحظات التهديد الوجودي.

لكن القمع وحده لا يكفي لضمان البقاء، ولذلك يحتفظ النظام بهامش ضيق من المناورة عبر ما تصفه الأدبيات بمزيج “القمع والاحتواء“ (repression–concession mix) فمن جهة، يجري تشديد القبضة الأمنية لتفكيك الزخم، ومن جهة أخرى تُطرح إجراءات تسكين انتقائية – زيادات محدودة في الأجور أو إعادة تفعيل جزئي للدعم – بهدف منع انتقال الغضب إلى الشرائح المترددة أو الموالية جزئيًا. هذا المزج بين العصا والجزرة لا يعكس قوة النظام بقدر ما يعكس إدراكه أن الصراع دخل مرحلة استنزاف طويلة، وأن البقاء يتطلب إدارة الأزمة لا حسمها.

بهذا المعنى، لا يرى النظام نفسه على شفا انهيار وشيك، لكنه يدرك أن زمن الإدارة المريحة للأزمات قد انتهى. هو اليوم في معركة منع تشكّل قيادة بديلة أو سردية سياسية منافسة، مع إبقاء الأنظار متجهة إلى الخارج تحسّبًا لأي تدخل قد يعيد خلط أوراق اللعبة الوجودية. غير أن استمرار هذا الوضع الوسيط – دولة قوية بما يكفي للبقاء، وضعيفة بما يكفي للخطأ – هو بذاته مصدر الخطر الأكبر على إيران وعلى الإقليم في المرحلة المقبلة.

عندما يتقاطع غضب الأطراف مع غضب المركز، لا يعود النظام يواجه اضطرابًا اجتماعيًا، بل أزمة شرعية كاملة.

سيناريوهات انهيار النظام
ما يجعل سؤال انهيار النظام الإيراني مطروحًا اليوم ليس وجود احتجاجات بحد ذاتها، فهذه عرفتها إيران مرارًا، بل أن الدولة نفسها لم تعد في وضع يسمح لها بامتصاص الصدمات كما في السابق. الاقتصاد في حالة شلل فعلي، العملة فقدت قيمتها، والقدرة على شراء السلم الاجتماعي عبر الدعم أو التوظيف لم تعد ممكنة. الأهم أن النظام فقد قدرته على تعويض أزماته الداخلية بنجاحات خارجية: انسحب من سوريا، تراجع حضوره بعد غزة، وخسر وظيفة “القوة الإقليمية الممسكة بالخيوط” التي كانت تمنحه وزنًا وهيبة في الداخل.

في الوقت نفسه، لا يظهر أن النظام على وشك السقوط السريع. الأجهزة الأمنية متماسكة، والحرس الثوري لا يزال يسيطر على مفاصل الدولة، ولم تظهر انشقاقات حقيقية في مراكز القوة. ما نشهده هو وضع وسط: دولة متعبة، لكنها لم تنكسر؛ نظام يضرب وهو يدافع؛ سلطة تحافظ على بقائها لكنها تفقد قدرتها على فرض معنى سياسي لبقائها.

بقاء نظام ضعيف في طهران قد يكون أقل كلفة من انهيار غير منظم لدولة بحجم إيران.

هذه المنطقة الرمادية هي الأخطر: نظام لا يملك أدوات الإصلاح ولا يريد السقوط، فيلجأ إلى إدارة الأزمة لا حلها. لذلك فإن السؤال الواقعي ليس: هل سينهار النظام؟ بل: كم يستطيع أن يستمر في هذا الوضع، وما الكلفة الإقليمية لاستمراره أو لتفككه البطيء؟

في المقابل، لا تشير الوقائع الميدانية حتى الآن إلى أن النظام الإيراني يقف على حافة انهيار وشيك. فرغم اتساع رقعة الاحتجاجات، ما تزال أدوات السيطرة الأساسية تعمل بكفاءة: أجهزة الأمن متماسكة، والحرس الثوري يسيطر على مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية، ولم تُسجَّل أي انشقاقات نوعية داخل بنية القوة، وهي المؤشر الحاسم الذي يسبق عادة سقوط الأنظمة، ولم يظهر بعد. النظام، عمليًا، لا يزال قادرًا على القمع، والأهم أنه لا يزال قادرًا على فرض الانضباط داخل مؤسساته.

في الوقت ذاته، تعاني المعارضة الإيرانية من ضعف بنيوي واضح. فالغضب الشعبي واسع لكنه غير منظم، والشارع يفتقر إلى قيادة موحدة أو مشروع سياسي جامع. الانقسام بين الملكيين والجمهوريين، وبين التيارات العلمانية وبقايا الإصلاحيين، ليس تفصيلاً، بل عامل شلل فعلي يمنع تحويل الاحتجاج من ضغط اجتماعي إلى بديل سياسي. هذا التشتت يمنح النظام مساحة للمناورة، ويجعل كل موجة احتجاج قابلة للاستنزاف بدل التحول إلى لحظة حسم.

إمكانات الدور الإسرائيلي
من منظور أمني إسرائيلي، يمثل انهيار النظام الإيراني فرصة نادرة لإزالة أخطر تهديد استراتيجي واجهته منذ عقود، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر كبرى لا تقل خطورة عن بقاء النظام نفسه. إسرائيل ستتعامل مع الحدث كعملية احتواء فراغ لا كاحتفال بسقوط عدو. هدفها الأول سيكون منع الفوضى من إنتاج تهديدات جديدة، لا سيما في ملف الأسلحة المتطورة والبرنامج النووي، ومنع انتقال هذه القدرات إلى فاعلين غير منضبطين. هذا الهاجس سيتقدم على أي اعتبارات أيديولوجية أو رغبة في تغيير النظام السياسي في طهران.

في هذا السياق، من المرجح أن تركز إسرائيل على التأثير في البيئة السياسية المحيطة بإيران أكثر من الداخل الإيراني نفسه: دعم قنوات إعلامية، تعزيز قوى معارضة مختارة، دفع باتجاه حكومة أقل عداءً للغرب، وتنسيق غير معلن مع الولايات المتحدة وشركاء إقليميين لضمان أن يكون البديل – إن وُجد – أقل تهديدًا من النظام الحالي. لكنها ستفعل ذلك بحذر شديد، لأن أي انكشاف لدور إسرائيلي مباشر سيقوض فرص الاستقرار ويعيد إنتاج سردية “المؤامرة الخارجية” التي طالما استفاد منها النظام الإيراني.

الأهم من ذلك أن إسرائيل لا تفترض تلقائيًا أن سقوط النظام سيُنتج واقعًا أفضل. التجربة العراقية بعد 2003 ماثلة في الوعي الأمني الإسرائيلي: نظام سقط، لكن الدولة تفككت، والفراغ أنتج فاعلين أخطر وأقل قابلية للردع. لذلك، فإن القلق الإسرائيلي الحقيقي لا يكمن في كيفية إسقاط النظام، بل في كيفية منع انهيار الدولة الإيرانية ذاتها. بقاء دولة ضعيفة ومنهكة قد يكون، في الحسابات الباردة، أقل كلفة من دولة مفككة بلا مركز قرار.

القراءة الأردنية – الأمن قبل الاصطفاف
من الزاوية الأردنية، لا تُقرأ الاحتجاجات الإيرانية بوصفها فرصة لإضعاف خصم إقليمي، بل كمتغير غير مضمون العواقب قد يُنتج فراغات أخطر من بقاء الوضع القائم. التجربة الأردنية مع انهيارات الإقليم خلال العقدين الماضيين رسّخت قناعة واضحة لدى صانع القرار: الفوضى لا تُدار، بل تُرتد. لذلك، تنطلق المقاربة الأردنية من منطق إدارة المخاطر وتفضيل الاستقرار النسبي – حتى لو كان هشًا – على انهيارات متسارعة لا يمكن التحكم بمآلاتها.

الهاجس الأمني المباشر يتمثل في انتقال آثار الضعف الإيراني إلى ساحات التماس المحيطة بالأردن، لا سيما الجنوب السوري وغرب العراق. فكل تراجع في قدرة طهران على ضبط شبكاتها أو أذرعها يفتح المجال أمام انفلات شبكات تهريب السلاح والمخدرات التي باتت تعمل بمنطق اقتصادي مستقل عن المركز. في المقابل، لا يُستبعد أيضًا أن يلجأ النظام الإيراني، أو بعض وكلائه المنهكين، إلى تصعيد خارجي محدود بوصفه أداة “هروب إلى الأمام” لإعادة إنتاج الردع أو تصدير الضغط الداخلي. في الحالتين، يكون الأردن في منطقة ارتداد مباشر: حدوده تصبح ساحة اختبار، وملف التهريب يتحول من تحدٍ أمني إلى تهديد استراتيجي يومي.

تراجع الدور الإيراني يجعل التعامل مع سلطة الشرع أمنيًا مؤقتًا، لأن الإسلام السياسي المسلح يفقد وظيفته مع زوال الخطر الذي برّر التغاضي عنه

أما في السياق الأردني–الإسرائيلي بعد حرب غزة، فإن تراجع الدور الإيراني يحمل أثرًا مزدوجًا. فمن جهة، يقلّص غياب طهران الضغط على إسرائيل عبر ساحات غزة ولبنان، ما يخفف مستوى التوتر العسكري في الإقليم القريب من الأردن والتي سبق أن اختبرها النظام خلال حرب الأيام الاثني عشر. لكن من جهة أخرى، يطلق يد إسرائيل استراتيجيًا، ويمنحها هامش حركة أوسع في ملفات تمسّ الأردن مباشرة، وفي مقدمتها القدس والضفة الغربية وترتيبات ما بعد الحرب. لذا، يعتبر إضعاف إيران تحوّلًا في ميزان القوى يفرض إعادة ضبط دقيقة للعلاقات والتحركات، حتى لا يتحول غياب خصم إقليمي إلى ضغط مباشر على المصالح الأردنية.

في هذا السياق، يتعامل الأردن مع المشهد الإيراني بوصفه متغيرًا أمنيًا غير مباشر لكنه عالي التأثير، ويُدرجه ضمن معادلة أوسع عنوانها: منع انتقال الاضطراب من ساحات بعيدة إلى حدود قريبة. فالأردن لا يخشى إيران بقدر ما يخشى ما يمكن أن ينفلت من محيطها، ولا يراهن على سقوط الأنظمة بقدر ما يعمل على تحصين نفسه من ارتداداتها.

هل يخشى الأردن انهيار النظام الإيراني؟
يتركز القلق الأردني الأكبر في سيناريو انهيار غير منظم يطلق شرارات فوضى عابرة للحدود. فإيران المنهارة بلا بديل واضح قد تتحول إلى مصدر عدم استقرار يفوق في ضرره إيران الضعيفة لكن المتماسكة. من هنا، تميل المقاربة الأردنية إلى تفضيل الاستقرار النسبي – وإن كان هشًا ومؤقتًا – على تغييرات صادمة غير مضمونة العواقب. الخبرة الأردنية مع انهيارات دول الجوار (كالعراق بعد 2003 وسوريا بعد 2011) علّمت صنّاع القرار في عمّان أن سقوط الأنظمة غالبًا ما يملأه فراغ تستغله جماعات راديكالية أو تتدفق عبره موجات لجوء ضخمة، فتكون كلفة الفوضى أعلى بكثير من كلفة استمرار نظام ضعيف يمكن التعايش معه أو احتواؤه.

وبمنطق براغماتي بحت، يأخذ الأردن بالحسبان أيضًا المعادلة السورية الجديدة عند تقييم مآلات المشهد الإيراني. ففي حال انهار النظام في طهران، قد تنتفي – في نظر الولايات المتحدة وإسرائيل – الحاجة الاستراتيجية إلى الإبقاء على الوضع القائم في دمشق أو التعامل البراغماتي مع سلطة الشرع بوصفها أمرًا واقعًا مؤقتًا. فالتعامل الغربي والإسرائيلي مع الشرع في المرحلة الماضية لم يكن نابعًا من قبول سياسي أو اعتراف بشرعية دائمة، بل من حسابات أمنية ضيقة ارتبطت بإنهاء الوجود الإيراني المنظم قرب الحدود الإسرائيلية ومنع الفوضى في الجنوب السوري.

لكن مع زوال الخطر الإيراني المباشر، قد تعيد هذه الأطراف تقييم موقفها من السلطة القائمة في دمشق، خاصة أن طبيعة الحكم الحالي – القائم على إسلام سياسي مسلح – لا تنسجم مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية طويلة المدى لشكل النظام الإقليمي. في هذه الحالة، قد تُفتح سوريا مجددًا كساحة إعادة ترتيب أو ضغط أو تفكيك تدريجي، لا بهدف الاستقرار بل لإعادة تشكيل البيئة الأمنية بما يخدم مصالح تلك القوى.

الخطر الحقيقي ليس في الحدث، بل في ما يتركه خلفه من فراغات لا يملك أحد خطة لملئها.

مثل هذا السيناريو يمثّل كابوسًا استراتيجيًا للأردن، لأنه ينقل مركز عدم الاستقرار مباشرة إلى خاصرتها الشمالية. فأي زعزعة جديدة في سوريا – سواء عبر صراع داخلي، أو تفكك سلطوي، أو إعادة فتح ساحات القتال – ستعني موجات لجوء إضافية، وضغوطًا أمنية على الحدود، وارتفاع احتمالات تمدد جماعات متطرفة في الجنوب السوري، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني الأردني. لذلك، لدى صانع القرار الأردني مصلحة واضحة في منع سلسلة انهيارات متتابعة تبدأ من إيران ولا تنتهي في سوريا، ويفضل – ما أمكن – مقاربة تغييرات بطيئة ومضبوطة بدل انتقال المنطقة إلى دورة جديدة من الفوضى غير القابلة للاحتواء.

وعليه، لا تكمن خطورة الاحتجاجات الإيرانية في مسارها الداخلي، ولا في نتائجها السياسية المباشرة، بل في الطريقة التي قد تُعيد بها تعريف قدرة الإقليم على الضبط. فالأردن لا يواجه تهديدًا نابعًا من إيران كدولة، بل من نمط التحولات التي قد تنتج عن ضعفها أو انهيارها، حين تنتقل منظومات كانت خاضعة لإدارة غير مباشرة إلى حالة سيولة سريعة لا تسمح بمرحلة انتقالية آمنة.

في لحظات كهذه، لا يتفكك النفوذ الإقليمي بطريقة متدرجة، بل ينهار على شكل فجوات. شبكات كانت تعمل ضمن سقف ضبط معيّن، سواء بدوافع سياسية أو اقتصادية، تتحول فجأة إلى فاعلين مستقلين يبحثون عن مصادر تمويل وشرعية وحماية. هذا التحول لا يخلق تهديدًا مباشرًا، لكنه يخلق بيئة عالية القابلية للانفجار، حيث يتكاثر الفاعلون غير المنضبطين، وتُختبر الحدود، وتتصاعد أنماط المخاطرة دون وجود مركز قادر على فرض إيقاع عام.

من هذا المنطلق، يتعامل الأردن مع المشهد الإيراني بوصفه اختبارًا لقدرة الإقليم على الاستمرار في إدارة التوازن الهش، فاستمرار نظام ضعيف قد يطيل حالة الاستنزاف لكنه يبقي على خطوط الضبط قائمة، بينما انهيار غير منظم قد يُطلق موجات ارتداد تتجاوز إيران نفسها، وتعيد إنتاج تهديدات لم تعد مرتبطة بدولة أو محور، بل بفقدان الإقليم لآليات التحكم الأساسية. فالأردن لا يخشى التغيير، بل يخشى التغيير غير القابل للتوقع، وهو ما يجعل الحذر ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة أمنية في لحظة إقليمية لم تعد تسمح بهوامش الخطأ.

المصدر: "معهد السياسة والمجتمع"





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :