العلاقات في زمن السرعة: تواصل أكثر وعمق أقل
منذر الخوالدة
22-01-2026 12:50 AM
لم يكن الإنسان في أي زمن مضى أكثر إتصالاً بالآخرين مما هو عليه اليوم، ومع ذلك لم يكن أكثر وحدةً مما هو عليه الآن ، مفارقة تبدو للوهلة الأولى غير منطقية، لكنها تكشف جوهر التحول العميق الذي أصاب العلاقات الإنسانية في عصر السرعة، فنحن نعيش زمناً تقاس فيه قيمة العلاقة بعدد الرسائل وسرعة الرد، واستمرارية الحضور الرقمي ، لا بعمق الفهم ولا بصدق القرب.
أتاحت التقنيات الحديثة إمكانية التواصل الدائم، لكنها في الوقت ذاته أعادت تعريف معنى القرب، لم يعد القرب حضوراً إنسانياً كاملاً، بل إشعاراً بالوصول، ورسالة سريعة وتفاعلاً مقتضباً.
أصبح الإنسان (( متاحاً )) أكثر لكنه أقل حضوراً، نعرف الكثير عن حياة الآخرين ، صورهم ، يومياتهم، لكننا نعرف القليل عن مخاوفهم وصراعاتهم الصامتة .
في هذا السياق يتحول التواصل الى أداءٍ وظيفي وتتحول العلاقة الى تبادل إشارات لا إلى مساحة آمنة للفهم المتبادل وإن كثافة التواصل لا تعني بالضرورة عمقه بل قد تكون ستاراً يخفي خواءً عاطفياً متزايداً ، إذ لم تعد السرعة مجرد سمة تقنية بل أصبحت قيمة ثقافية تحكم سلوكنا وتوقعاتنا مع الآخرين، نريد الرد السريع والتفاعل الفوري والوضوح المختصر ، أما التريث والتأمل والصمت فأصبحت تفسر غالباً على أنها برود أو تجاهل .
إن العلاقات العميقة بطبيعتها بطيئة، تحتاج الى وقتٍ وإصغاءٍ وقدر من الصبر على الغموض والإختلاف حين تُفرض السرعة على العلاقات، تفقد قدرتها على النمو وتتحول الى علاقات إستهلاكية سهلة الدخول وسهلة الإنسحاب .
في زمن السرعة لا يظهر الانسان كاملاً في علاقاته وإنما يظهر مجزأ ، نسخة للعمل ونسخة للأسرة ونسخة للعالم الرقمي، نُسخٌ سطحية لا عمق فيها، هذا التجزؤ وإن بدا أنه وسيلة للتكيف إلا أنه يضعف العمق العاطفي، لأن العلاقة الحقيقية تفترض حضور الانسان بكليّته لا بأقنعة متعددة.
كما أن الخوف من الإنكشاف أصبح سمة بارزة، فالعلاقات السريعة لا تمنح مساحة كافية للثقة التي هي الشرط الأول لأي عمق، لذلك يفضل الكثيرون البقاء في منطقة التواصل الآمن حيث لا إلتزامات ثقيلة ولا أسئلة عميقة.
قد يبدو العمق وكأنه قيمة من زمن آخر لا تنسجم مع إيقاع الحياة الحديثة لكن الحقيقة أن الانسان لم يتغير في جوهره لكنه ما زال بحاجة الى أن يُفهم وأن يُرى كما هو ، لا كما يقدم، وما زالت العلاقات العميقة رغم ندرتها هذه الأيام مصدراً للطمأنينة والمعنى ، فعمق العلاقات لا يتضارب مع عصر السرعة لكنه يقاوم منطقها السائدـ ، إنه اختيار واعٍ لا يحدث صدفة، إختيار البطء وسط العجلة والأصغاء وسط الضجيج والحضور الحقيقي وسط التشتت.
إن إعادة الإعتبار لعمق العلاقات لا يعني رفض التكنولوجيا والسرعة أو الانسحاب من العالم بل استخدام أدوات العصر دون أن نسمح لها بإعادة تشكيل إنسانيتنا، أن نسأل انفسنا هل نحن في اتصال حقيقي أم مجرد تواصل ؟ هل نشارك الآخرين حضورنا أم فقط نشاركهم وقتنا ؟، ذلك أن العمق في زمن السرعة يصبح فعل مقاومة هادئة، وإختياراً أخلاقياً قبل أن يكون عاطفياً،فالعلاقات التي تمنح المعنى لا تقاس بسرعة التفاعل بل بقدرتها على البقاء حين تتوقف الإشعارات ويخفت الضجيج ويبقى الانسان إنسانا.