facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دافوس لا يُجامل أحدًا: ماذا تكشف نقاشات الاقتصاد العالمي عن واقع الاقتصاد العربي؟


د. حمد الكساسبة
22-01-2026 07:39 AM

في كل دورة من دورات منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة. تدور هذه الأسئلة حول تباطؤ النمو، وتصاعد المخاطر، والتحول الرقمي، وأزمة الديون. غير أن السؤال الأهم بالنسبة للعالم العربي لا يتعلق بما يُناقش في دافوس، بل بسبب شعور متكرر بأن هذه القضايا تصف واقع عدد كبير من الاقتصادات العربية بدقة، من دون أن يقابل ذلك تحرك جاد أو مراجعة حقيقية.

يناقش دافوس اليوم اقتصادًا عالميًا يعيد النظر في نماذج النمو التي استُنزفت. وفي المقابل، لا يزال جزء كبير من الاقتصادات العربية أسير نماذج لم تُراجع أصلًا. فالاعتماد على الإنفاق العام، أو الريع، أو الحماية، ما زال حاضرًا بقوة. وغالبًا ما يُقدَّم هذا الاعتماد كخيار آمن، رغم محدودية قدرته على خلق نمو مستدام أو فرص عمل كافية. والأخطر أن هذا الواقع يُدار أحيانًا باعتباره قدرًا، لا نتيجة سياسات قابلة للتغيير.

وفي نقاشات دافوس بات واضحًا أن السياسة النقدية وصلت إلى حدود قدرتها على دعم النمو. فالبنوك المركزية لم تعد قاطرة للنشاط الاقتصادي، بل أداة لإدارة المخاطر والحفاظ على الاستقرار. أما في العالم العربي، فلا يزال الاستقرار النقدي يُقدَّم بوصفه إنجازًا بحد ذاته. ويُنظر إليه أحيانًا كبديل عن الإصلاح الهيكلي، وهي مقاربة مضللة. فالاستقرار بلا نمو منتج يعني استقرارًا هشًا، سرعان ما يتآكل عند أول صدمة خارجية.

أما ملف الطاقة، فيكشف إحدى أكثر التناقضات العربية حساسية. فبينما يناقش دافوس بجدية الانتقال إلى مرحلة ما بعد الوقود الأحفوري، تتعامل بعض الاقتصادات العربية مع هذا التحول بحذر سياساتي. وفي حالات أخرى، يُطرح خطاب طموح يسبق السياسات الفعلية. ومع الإقرار بأن بعض الدول العربية النفطية حققت تقدمًا مهمًا في التنويع الاقتصادي وفي الاستثمار في الطاقة الجديدة، يبقى التحدي الحقيقي في استدامة هذه الجهود وربطها بإنتاجية حقيقية وسوق عمل فاعلة.

وفي ملف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، تبدو الفجوة أكثر وضوحًا. فدافوس يناقش التكنولوجيا كوسيلة لرفع الإنتاجية وإعادة تشكيل سوق العمل. في المقابل، لا تزال سياسات التعليم والتشغيل في عدد من الدول العربية عاجزة عن مواكبة متطلبات الاقتصاد الحديث. فلا قيمة لبنية رقمية متقدمة في اقتصاد لا يستثمر جديًا في رأس المال البشري، ولا يربط التعليم بحاجات السوق، ولا يكافئ الكفاءة.

كما يولي دافوس اهتمامًا متزايدًا بالتجارة العالمية بصيغتها الجديدة. فالعالم يتجه نحو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، ونحو تعزيز التكتلات الاقتصادية، ونحو التجارة الإقليمية. وهنا يبرز أحد أوجه الضعف المزمنة عربيًا، والمتمثل في تواضع التجارة العربية البينية وضعف التكامل الاقتصادي العربي. فلا تزال اقتصادات المنطقة تعمل في كثير من الأحيان كجزر منفصلة، ما يحد من قدرتها على الاستفادة من حجمها الجغرافي والبشري، ويضعف موقعها في سلاسل القيمة العالمية.

ولا يختلف الأمر كثيرًا في ملف الديون العامة. ففي دافوس يُناقش الدين كأداة انتقال إذا استُخدم ضمن رؤية إصلاحية واضحة. أما في بعض الاقتصادات العربية، فقد تحوّل الدين إلى حل سهل يؤجل الإصلاح بدل أن يدعمه. ومع الوقت، ترتفع كلفته الاقتصادية والاجتماعية، وتضيق الخيارات المتاحة أمام صانعي القرار.

في ضوء ما سبق لا يُقصي دافوس العالم العربي، بل يضعه أمام مرآة صريحة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الموارد أو الفرص، بل في تأجيل القرارات الصعبة وفي بطء الانتقال إلى نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية وتكاملًا. والعالم يعيد صياغة نظامه الاقتصادي الآن. ومن لا يشارك في هذا التحول، سيجد نفسه مضطرًا للتكيّف معه من موقع أضعف. والسؤال الذي تفرضه نقاشات دافوس بوضوح لم يعد ماذا يفعل العالم، بل: متى نمتلك الجرأة لنغيّر نحن؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :