يكاد ترامب بسلوكه السياسي ، أن ينطق بها صراحة كل يوم ، ما يمنعه فقط هو مكانة دولته الكبيرة بين الأمم ، بعدما أرست غزوات جيشه السابقة في العراق وأفغانستان ، أسس وقواعد العدَّ التنازلي ، للتخلّي عن هذه المنظمة الدولية ، وبعدما أمعنت واشنطن بصورة منهجية ، ليس بالتخلّي التدريجي عن أدواتها فحسب ، وإنما ايضاً عن معظم أفراد اسرتها اليتامى ،الذين تخلّى عنهم البيت الأبيض موخراً ، تلك المنظمات الإنسانية الملحقة بها والتابعة اليها ، التي يحتاجها فقراء العالم الثالث ، مما جعل قادة العالم في حيرة من أمرهم ، حول مستقبل العلاقات بين الدول ، بعدما استكثرت الولايات المتحدة وقتها ، تقديم اية ذرائع للأمم المتحدة ، تعطيها الحق باستخدام القوة في كلا البلدين .
ثلاث سنوات عجاف ، بقيت لسيّد البيت الابيض ، بنظر ساسة العالم ، يظن بعض الخائفين منهم ، بأنها ستكون مليئة بالاستعلاء والاستكبار والتفاخر بالقوة ، لا يعلم أحدٌ منهم ، ما سوف يجلب بها ترامب من ويلات على العالم ، بعدما صاغ صورة الولايات المتحدة، لتكون وفق هيئته فقط .
تلك هي واشنطن
السياسية بنظرهم ، التي ورثها الأخير عن أسلافه الجمهوريين اليوم ، وأخذ يستعرض فيها قوة بلاده العسكرية ، لتهديد دول العالم واحدة تلو الأخرى ، مستهلا عهدا جديداً ، تقول فيه واشنطن أن القوة فوق القانون ، عندما يتعلق الأمر بمصالحها ، وأن ذراعها العسكري سوف يمتدّ حيثما تكمن تلك المصالح . خاصة حين أكّد ترامب ، في رسالة العتب الاخيرة إلى رئيس وزراء النرويج ، بسبب عدم منحه جائزة نوبل ، بأنه غير ملزمٍ بالعمل من أجل السلام .
ذاك كان حال العالم تماما ، قبل قرنٍِ من الزمان ، وبالتحديد عشية بدء الحرب العالمية الاولى ، عندما أنفلت عٍقال القوة ، واشتدّ بأس الطامعين ، وتقاتلت بموجبه الجيوش ، وفق مبررات واهية ، للحصول على مغانم وثروات العالم الثالث ، وبسط السيطرة والنفوذ ، على خيرات الشعوب الضعيفة ، التي لا حول لها ولا قوة ، لنهبها ومصادرة مواردها .
كل ما حدث اليوم من جانب ترامب ، هو أن ألأسماء والأماكن ، هي التي تغيّرت وتبدلت لديه ، بعدما رفعت القوة رأسها مرة أخرى عاليا ، منذرة بأشد العواقب ، لمن يجرؤ أن يقف أمام مصالح الولايات المتحدة ، المدججة حتى النخاع ، بكل أنواع السلاح ، بشكل لم تعد تقيم فيه واشنطن ، أي وزنٌ أو قيمة ، لحليف أو صديق وإنما لمصالحها الممتدة وحدها .
هي مرحلة مثيرة وصعبة في سوق المصالح السياسة العالمية ، أصبح كل تصرّف أمريكي فيها ، بمثابة فعلٍ سياسي مبني للمجهول ، يدعو للشك والريبة ، باتت وفقها الدول الصغيرة والضعيفة ، عرضة للاحتلال والإضطهاد ، دون خوف من العواقب ، مرحلة محزنة ، أصبح فيها الساسة يمضون ليلتهم رؤساء دول ، وفي اليوم التالي سجناء مطلوبون للعدالة في نيويورك ، بعدما فقدت المؤسسة الدولية ، قدرتها على ضبط تصرفات أعضائها الأقوياء في موسكو وواشنطن ، ولو بالحدّ الأدني ، الذي تعودت عليه الأمم ، والذي كان يُوفِرَ الأمن والاستقرار النسبي للضعفاء ، الذين انكشفت ظهورهم اليوم ، أمام عزم الأقوياء ، على تحقيق مصالحهم بالقوة ، كما هو الحال في أوكرانيا ، حتى لو جاء ذلك على حساب مصالح وويلات الآخرين.