البترا تستحق اكثر .. !
السفير الدكتور موفق العجلوني
22-01-2026 01:48 PM
* افتتاح كراون بلازا يعزّز مكانتها السياحية العالمية
ما استحضرنا للكتابة عن البترا مناسبتين عزيزتين ، الاولى تعود بي الذكرى الى عام ١٩٨٢ حيث كنت موظفاً في الضمان الاجتماعي بدائرة الاعلام و العلاقات العامة و كان عدد موظفي الضمان الاجتماعي ٤٠ موظفاً في تلك الفترة و قبل التحاقي بوزارة الخارجية عندما القيت محاضرة في البترا حول مفهوم الضمان الاجتماعي و كذلك محاضرة ثانيةً في معهد العمال في العقبةً في اليوم التالي ، و بتوجيهات من معالي رىيس مجلس الادارة الضمان الاجتماعي وزير العمل الدكتور جواد العناني . و المناسبة الثانية هي افتتاح فندق كروان بلازا يوم امس .
نعم تستحق البترا كل استحضار و كل اهتمام . ، فالبترا ليست مجرد موقع أثري خالد، بل قصة حضارة حيّة ونبض تاريخ يمتد لآلاف السنين، ومكانة عالمية رسّخت اسم الأردن على خارطة السياحة الدولية. ومع كل خطوة تطويرية جديدة، تؤكد البتراء قدرتها على الجمع بين عبق الماضي ومتطلبات الحاضر، وبين الأصالة وفرص الاستثمار الواعد.
وفي هذا الإطار، افتتح دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسّان، يوم امس ، فندق كراون بلازا البترا بعد إعادة تشغيله وتحديثه، في خطوة تعكس اهتمام الحكومة المباشر بتعزيز القطاع السياحي في واحدة من أهم الوجهات الأثرية في العالم. وقد جاء الافتتاح بحضور عدد من اصحاب المعالي الوزراء وكبار المسؤولين ، في رسالة واضحة تؤكد أن البترا تحظى بأولوية وطنية على أعلى المستويات.
ويمثّل الفندق، المملوك لـ صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، نموذجاً للاستثمار الوطني المسؤول، حيث يضم 143 وحدة فندقية موزعة بين غرف وشاليهات، ويوفّر قرابة 200 فرصة عمل مع إعطاء الأولوية لأبناء وبنات المجتمع المحلي، ما يعكس التزاماً واضحاً بربط التنمية السياحية بالبعد الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة.
ويأتي هذا المشروع تتويجاً لتوجيهات دولة رئيس الوزراء، الذي كان قد تفقّد الفندق في تشرين الأول الماضي، ووجّه بتسريع أعمال التحديث والتطوير، ليُعاد تشغيله مطلع العام الحالي، في مؤشر على جدّية الحكومة في استعادة الزخم السياحي وتعزيز ثقة المستثمرين بالقطاع.
وخلال الزيارة، اطّلع دولة رئيس الوزراء أيضاً على فندق ومنتجع حياة زمان في لواء البترا، مشيداً به كنموذج ناجح للشراكة الاستثمارية مع المجتمع المحلي، لما يوفّره من فرص عمل لأبناء المنطقة، وما يقدّمه من تجربة سياحية تحترم هوية المكان وتراثه.
إن افتتاح فندق كراون بلازا يشكّل قيمة مضافة حقيقية للمنتج السياحي في البترا، ويعزّز قدرتها على استقطاب الزوار من مختلف دول العالم، من خلال توفير خدمات فندقية تليق بمكانتها كإحدى عجائب الدنيا السبع. فالسائح اليوم يبحث عن تجربة متكاملة تجمع بين عظمة الموقع وجودة الخدمات ودفء الضيافة، وهو ما تسهم هذه المشاريع في تحقيقه.
وتبقى البترا ، بما تحمله من قيمة تاريخية وإنسانية استثنائية، موقعاً عالمياً يستحق كل أشكال الدعم والاهتمام من مختلف الجهات الرسمية والخاصة، لتظل عنواناً مشرقاً للأردن وواجهة حضارية تعكس عمق تاريخه وقدرته على التطور.
البترا تستحق…اكثر لأنها ليست مجرد وجهة سياحية، بل رسالة حضارية للعالم، ونموذج حيّ للتكامل بين التاريخ والتنمية المستدامة.
و اخيراً و ليس اخراً ، لا بدّ من توجيه شكرٍ خاص وتقديرٍ عميق لكل من اصحاب المعالي الدكتور فارس بريزات رئيس مجلس مفوضي سلطة إقليم البترا التنموي السياحي ، و عمر ملحس رىيس مجلس ادارة صندوق استثمار اموال الضمان الاجتماعي ، والدكتور عزّ الدين كناكرية، المدير العام لصندوق استثمار اموال الضمان ، لما قدّموه ويقدّمونه من جهد وفكر وخبرة و استثمار في خدمة السياحة الأردنية، وكذلك إلى دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان على اهتمامه المباشر بملف البترا والمشاريع السياحية الكبرى التي تعيد لهذا القطاع شيئاً من بريقه وأهميته الوطنية.
لكن، وبذات الصراحة التي تفرضها المحبة الصادقة للوطن، لا بدّ من عتاب شديد مقرون بمحبة لوزارة السياحة والآثار، وهيئة تنشيط السياحة، حول السياسات الإدارية والوظيفية التي أسهمت – عن قصد أو غير قصد – في تطفيش الكفاءات الأردنية المؤهلة في مجالات الترويج السياحي، والتخطيط، والإدارة، وهم من خريجي أفضل الجامعات في العالم، ومن أصحاب الخبرة والقدرة على إيصال صورة الأردن الحقيقية إلى الخارج. إن اضطرار هؤلاء الشباب للبحث عن فرص عمل خارج الوطن لا يمثّل خسارة شخصية لهم فحسب، بل هو نزيف حقيقي لرأس المال البشري الأردني، تعرف تفاصيله وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة جيداً، ولديهما أمثلة كثيرة لا تخفى على أحد.
فالسياحة ليست حجارة وفنادق فقط، بل عقول وخبرات ورسالة، ولا يمكن الترويج للأردن عالمياً دون تمكين أبنائه وبناته، ومنحهم الثقة، وفتح الأبواب أمامهم للمشاركة في صناعة القرار السياحي، بدلاً من تهميشهم أو دفعهم قسراً إلى الهجرة المهنية.
إن البترا ، بكل عظمتها وقيمتها العالمية، تستحق أكثر من الاحتفاء الموسمي والمشاريع المتفرقة؛ تستحق سياسة سياحية وطنية عادلة، يكون الشباب الأردني في قلبها لا على هامشها. لقد آن الأوان للتوقف عن فقدان الكفاءات، والبدء في الاستثمار الحقيقي بالإنسان الأردني، لأن لا سياحة بلا عقول، ولا ترويج بلا أبناء الوطن.
البتراء تستحق… والأردن يستحق… وشبابه أولاً وأخيراً و قدوتهم سمو ولي العهد الامير الحسين حفظه الله ، و هم الثروة التي لا يجوز التفريط بها كما اكد مراراً و تكراراً جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله .
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً
muwaffaq@ajlouni.me