لماذا لا يكفي أن نتقدّم في مؤشر الابتكار العالمي؟
المحامي اسامة البيطار
22-01-2026 06:12 PM
أظهر تقرير عام 2025 لمؤشر الابتكار العالمي تقدّم الأردن من المرتبة (73) إلى المرتبة (65) عالميًا، وهو تقدّم يُحسب للعمل المؤسسي ويعكس اهتمامًا متزايدًا بملف الابتكار ضمن السياسات العامة. كما أن موافقة مجلس الوزراء على الصيغة النهائية للخطة التحسينية المعدلة لأداء المملكة في هذا المؤشر تؤكد أن الابتكار لم يعد ملفًا هامشيًا، بل بات جزءًا من التفكير الاقتصادي والاستراتيجي للدولة.
غير أن السؤال الأهم لا يبدأ من الترتيب… بل مما بعده هل يتحوّل هذا التقدّم إلى منظومة ابتكار حقيقية، أم يبقى رقمًا إيجابيًا في تقرير سنوي؟
ما الذي يقيسه المؤشر فعلًا؟
يصدر مؤشر الابتكار العالمي (Global Innovation Index – GII) سنويًا عن World Intellectual Property Organization (WIPO)، ويقيس الابتكار في أكثر من 130 اقتصادًا عبر منظومة مركّبة تشمل التعليم، البحث والتطوير، البنية التحتية، السياسات، مخرجات المعرفة، والأثر الاقتصادي.
وهنا بيت القصيد: المؤشر لا يكافئ كثرة القوانين ولا عدد المبادرات وحدها، بل قدرة المجتمع ككل على إنتاج المعرفة، وحمايتها، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. أي أن الابتكار، في جوهره، فعل إنساني قبل أن يكون إجراءً تقنيًا.
الابتكار يتجسّد في عناقيد
تكشف قراءة نتائج المؤشر أن الابتكار لا ينمو في فراغ، بل يتجسّد عمليًا في عناقيد ابتكارية (Innovation Clusters)—مدن ومناطق تنجح في تجميع رأس المال البشري، الجامعات، الشركات، التمويل، وآليات حماية الملكية الفكرية ضمن منظومة واحدة.
العناقيد الأكثر نشاطًا عالميًا—مثل Shenzhen–Hong Kong–Guangzhou وTokyo–Yokohama—تستحوذ مجتمعة على ما يقارب خُمس طلبات البراءات الدولية (PCT) المقدّمة عالميًا. وفي المقابل، تُظهر عناقيد مثل San Jose–San Francisco وCambridge وOxford أن كثافة الابتكار نسبةً إلى السكان قد تكون أهم من الحجم المطلق.
وتُظهر خريطة أفضل 100 عنقود ابتكاري أن الابتكار يتركّز في ثلاث مناطق رئيسية: أمريكا الشمالية، أوروبا، وآسيا، مع تصدّر الصين بعدد العناقيد، تليها الولايات المتحدة ثم ألمانيا والهند والمملكة المتحدة. والأهم أن مدنًا جديدة دخلت التصنيف مؤخرًا—مثل Dublin وHamburg وManchester وMexico City—ما يؤكد أن بناء عنقود ابتكاري لم يعد حكرًا على العواصم التقليدية، بل نتاج سياسات واعية وبيئات تدريب وحماية معرفة فعّالة.
أين نقف نحن؟
في السياق الأردني، يكتسب التقدّم في المؤشر معنى أكبر إذا قاد إلى سؤال عملي:
هل نطمح إلى تحسين ترتيب وطني فحسب، أم إلى بناء عناقيد ابتكارية داخل مدننا قادرة على جذب البحث والاستثمار وحماية الملكية الفكرية؟
التجارب العالمية تقول بوضوح ..... لا ابتكار مستدام بلا تعليم تطبيقي، ولا قيمة للفكرة بلا حماية، ولا حماية بلا وعي ومهارات تنفيذ.
الملكية الفكرية: الحلقة التي تُغفل كثيرًا
لدينا تشريعات، ولدينا مبادرات، لكن الفجوة الأوسع تبقى في الثقافة والقدرات
هل يعرف الباحث كيف يحمي نتاجه؟ وهل يمتلك رائد الأعمال أدوات إدارة الابتكار في السوق الرقمي؟ وهل ما زلنا نتعامل مع الملكية الفكرية كملف قانوني، أم كأصل اقتصادي قابل للتوظيف والنمو؟
في الاقتصاد الرقمي، لم تعد الحماية مسألة نصوص فقط، بل آليات تنفيذ ومعرفة تقنية.
وتُظهر نماذج المنصات الرقمية العالمية، مثل Alibaba Group، أن حماية الملكية الفكرية لم تعد شأنًا قانونيًا بحتًا، بل منظومة تقنية تتيح الإبلاغ السريع، وتتبع الانتهاكات، وإزالتها بفعالية. وهو ما يؤكد أن بناء القدرات والمهارات في إدارة الملكية الفكرية الرقمية بات شرطًا أساسيًا لتحويل الحقوق من نصوص إلى أثر اقتصادي حقيقي.
من الخطة التحسينية إلى البيئة المتكاملة
تُعد الخطة التحسينية لأداء المملكة في مؤشر الابتكار العالمي خطوة ضرورية ومقدّرة، خصوصًا مع ربطها برؤية التحديث الاقتصادي ومتابعة وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة. غير أن نجاحها يتوقف على اتساع الشراكة:
الدولة تضع السياسات، والقطاع الخاص يبتكر ويستثمر.
لكن من يبني الوعي والقدرات، ويصنع الجسر بين الفكرة والتطبيق؟
هنا يبرز الدور الحاسم لمنصات المجتمع المدني المتخصصة والأكاديميات التدريبية، في بناء القدرات، ونشر الثقافة، وربط الابتكار بالإنسان والسلوك والمسؤولية. فالمؤشرات تتحسّن عندما تتغيّر الممارسات اليومية، لا العناوين فقط.
الترتيب بداية الطريق
إن التقدّم في مؤشر الابتكار العالمي إنجازٌ يستحق التثمين، لكنه ليس نهاية الطريق النجاح الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من تحسين الترتيب إلى بناء التأثير من سياسات إلى منظومات، ومن مبادرات إلى عناقيد، ومن قوانين إلى ثقافة وقدرات.
فالابتكار لا يترسخ بقرارٍ أو مؤشرٍ وحده، بل حين تتحول السياسات إلى معرفةٍ مجتمعية، وتُبنى القدرات البشرية القادرة على تحويل الرؤية الوطنية إلى أثرٍ مستدام.
* محامٍ وباحث في سياسات الابتكار والملكية الفكرية