لا غرو أن الهدف من السردية هو بناء الهوية وفهم الواقع وتنظيم التجربة الإنسانية والحفاظ على الذاكرة والتراث الإنساني والتأثير على المتلقي، وفوق ذلك كله في حالات خاصة منع الهيمنة من جهات تحاول تغيير هذه السرية أو سرقتها أو محاولة طرح سردية تتوافق مع غايات سياسية تضر بأصحابها، ومن هنا نقول أن إعداد السردية القانونية في بلد ما بشكل صحيح يتطلب الجمع بين المنهج القانوني الصارم وفهم السياق الدستوري والسياسي والاجتماعي الوطني، ضمن دليل عملي ومنهجي يمكن الاعتماد عليه، خصوصًا في الأعمال البحثية، التقارير الحقوقية، أوراق الموقف، أو المرافعات القانونية، فما المقصود بالسردية القانونية؟ ونجيب على هذا السؤال بقولنا إن السردية القانونية هي عرض منظم ومترابط للوقائع والنصوص القانونية والتفسيرات القضائية وتاريخ القانون من حيث نشأته وغاياته وتطوراته وتعديلاته التي تظهر تأثرة بالأحداث والتغيرات الاجتماعية والسياسة والاقتصادية وغيرها من العوامل، والتي تعتبر جزء من السرية الوطنية، ويُستخدم لتفسير وشرح نواحي قانونية قد تظهر في قضية أو موقف أو سياسة عامة، وإقناع المتلقي بسلامة موقف قانوني محدد.
في السياق ذاته، لا تقتصر السردية على النص القانوني، بل تشمل الدستور، والتشريعات النافذة، والاجتهاد القضائي، والممارسة الإدارية، والالتزامات الدولية، والخصوصية السياسية والاجتماعية، فالمبادئ الحاكمة للسردية القانونية تتضمن الانطلاق من الدستور (المرجعية العليا)، فأي سردية قانونية صحيحة يجب أن تبدأ من الدستور بوصفه مصدر الشرعية، ومثال ذلك الدستور الأردني مثل المادة السادسة التي تتحدث المساواة وعدم التمييز، والمادة السابعة التي تتحدث عن الحرية الشخصية مصونة، والمادة الخامسة عشر التي تتحدث عن حرية الرأي والتعبير، والمادة الثالثة والثلاثين التي تتحدث عن الاتفاقيات الدولية، والمادة المائة والامنة والعشرين التي تتحدث عن عدم المساس بجوهر الحقوق، فلا يجوز بناء سردية قانونية تتجاهل أو تتجاوز الدستور.
ولتحديد الإطار القانوني بدقة في السردية فيجب أن تشمل القوانين النافذة ذات الصلة (قانون العقوبات، الجرائم الإلكترونية، الاجتماعات العامة…)، والأنظمة والتعليمات، والقرارات الإدارية، وتفسير النصوص وفق القواعد الأصولية (الخاص يقيد العام، اللاحق ينسخ السابق…)، ومن الخطأ الشائع الاكتفاء بنص واحد وإهمال المنظومة القانونية ككل.
كما يجب الاستناد إلى الاجتهاد القضائي، فالسردية القانونية القوية تستشهد بأحكام محكمة التمييز، وقرارات المحكمة الدستورية، اجتهادات القضاء الإداري، وذلك لأن الاجتهاد القضائي مصدر تفسيري مهم، خصوصًا في الحقوق والحريات.
ومن ناحية أخرى فيجب دمج القانون الدولي دون تعارض مع السيادة، من حيث موقع الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني للدولة، فيما إذا كانت قد صادقت على العديد من الاتفاقيات (العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، اتفاقية مناهضة التعذيب…)، فوفق اجتهاد محكمة التمييز، حيث أن الاتفاقيات المصادق عليها تسمو على القانون العادي، لكنها دون الدستور، فالسردية الصحيحة تُظهر الانسجام لا التصادم بين الوطني والدولي.
ومن ناحية أخرى يجب استخدام المعايير الدولية بذكاء، بحيث لا تُستخدم كبديل عن القانون الوطني بل كأداة: للتفسير، وللتعزيز، ولسد فراغ تشريعي، مع مراعاة السياق السياسي والمؤسسي، فالسردية القانونية لا تنفصل عن طبيعة النظام الدستوري، ولا عن التوازن بين السلطات، ولا عن الواقع المؤسسي (الإدارة، القضاء، البرلمان)، وتجاهل هذا السياق يُضعف الحجة مهما كانت قانونيًا سليمة.
ومن ناحية البناء المنهجي للسردية القانونية كخطوات عملية، فالخطوة الأولى هي تحديد الإشكالية القانونية، وما هو الحق أو النزاع؟ وأين موضع الخلل: تشريعي؟ تطبيقي؟ تفسيري؟ والخطوة الثانية هي عرض الوقائع (إن وجدت)، بشكل موضوعي ومحايد، ودون مبالغة أو توصيف سياسي، والخطوة الثالثة هي التحليل القانوني، من خلال ربط الوقائع بالنصوص، ومن خلال تفسير النصوص، ومن خلال بيان أوجه التعارض أو القصور، والخطوة الرابعة المقارنة (عند الحاجة)، أي المقارنة مع الاجتهادات السابقة، أو التجارب الدولية المشابهة، ودون إسقاط أعمى، والخطوة الخامسة هي الخلاصة والتوصيات، والتي تمثل استنتاجات قانونية واضحة، وتوصيات قابلة للتطبيق (تشريع، تعديل، تفسير قضائي…)، والخطوة السادسة هي أخطاء شائعة يجب تجنبها مثل تسييس النص القانوني بشكل فج، والنقل الحرفي من الاتفاقيات دون مواءمة، و تجاهل القضاء الأردني، و الخلط بين الرأي القانوني والموقف الأيديولوجي، و استخدام لغة إنشائية بدل التحليل القانوني، أما الخطوة السابعة فهي متى تكون السردية القانونية "مقنعة"؟ عندما تحترم الدستور، وعندما تنسجم مع المنظومة التشريعية، وعندما تستند لاجتهاد قضائي، وعندما تراعي الواقع المؤسسي، وعندما تقدم حلولًا لا شعارات، فالنموذج الذي نسعى إليه يعتمد الدستور كمرجعية عليا، ويوظف الاجتهاد القضائي، ويدمج القانون الدولي دون تصادم، ويحافظ على لغة قانونية مهنية غير مسيّسة.