الصندوق الأسود 31: خريطة الخدمات .. حين تتكلم جغرافيا المكان
د. كفاية عبدالله
23-01-2026 04:50 PM
عند تقاطع المكان والخدمة معا ، تبدأ جغرافيا المكان بالكلام ليس بوصفها نصًا مكتوبًا، بل أثرًا يتسرب إلى حياة الناس عبر القرب والبعد، والسهولة والمشقة.
خريطة صامتة، لكنها تروي الكثير عن تفاصيل غير مرئية، وتحفظ ذاكرة الحكومة كما يختبرها الإنسان.
تروي كيف صارت الخدمة لبعضهم فعلًا يوميًا لا يُلتفت إليه، وكيف تحوّلت عند آخرين إلى رحلة انتظار مرهقة، وكيف أصبح المكان، لدى فئة ثالثة، سببًا خفيًا يعيد ترتيب احتياجاتهم… ويُقنعهم تدريجيًا بأن يطلبوا أقل مما يستحقون.
خريطة الخدمات ليست رسمًا تقنيًا للمرافق، ولا وثيقة تخطيط عمراني لمواصفات كود البناء، بل سردية عميقة تحكي سر علاقة الفرد بالمكان. إنها تعكس، دون تصريح، كيف يُنظر إلى الجغرافيا: إن كانت امتدادًا طبيعيًا لمفهوم المواطنة، أم عبئًا إداريًا يُدار بأقل الإمكانيات وخارج نطاق أجندة الأولويات؟ وهنا يبرز السؤال إن كانت الحقوق تقاس بقرب السكن من مركز العاصمة، أم بكون الإنسان مواطنًا حتما يجب خدمته حيثما كان في أرجاء الوطن؟
كثيرًا ما يُفترض أن التفاوت الجغرافي أمر طبيعي؛ وأن المدن الكبرى حقا لها أن تستحوذ على الاهتمام الأكبر ولا سيما أنها تحتضن السواد الأكبر من السكان وأكثرها كثافة من حيث السكان، وأن الأطراف “أقل جدوى” لأنها أقل عددًا. هذا الافتراض، رغم ما يبدو عليه من عقلانية، يخفي تحته أحد أكثر أشكال اللاعدالة رسوخًا واستدامة. فالمكان، حين يُدار بمنطق الكثافة لا بمنطق الحاجة، يتحول من سياق محايد إلى أداة إقصاء ناعمة، لا تُعلن عن نفسها، لكنها تترك شرخ يطول أثره طويلًا.
الخدمة قد تكون متاحة نظريًا، لكن الوصول إليها فعليًا يختلف جذريًا بين مدينة وآخرى أو إقليم دون غيره. لذلك تجد من هو يقطع دقائق، وهناك من يقطع ساعات للحصول على الخدمة الواحدة. وهناك من يملك خيارات الحركة، ومنهم من لا يملك سوى الانتظار. فذاك تصله الخدمة بسهولة، وأما الآخر يتحول طلبه البسيط إلى رحلة استنزاف. في هذه الفجوة تحديدًا، لا تُقاس كفاءة المؤسسات، بل عدالة الحضور، ومدى اقتراب الخدمة من حياة الناس ونبض الشارع ، وليس مجرد خرائط بكم عن جغرافيا الأماكن.
المفارقة أن كثيرًا من هذه الاختلالات لا تنشأ عن سوء نية، بل عن تخطيط غافل. خرائط تُرسم من أعلى هرم في غرف مغلقة وصوامع تضرب جدرانها بين مؤسسات الحكومة الواحدة، لذلك تجد نماذج تطلق وتُعمم على الجميع، وعند رصد المؤشرات ترى متوسطات وطنية تبدو مطمئنة، لكنها تُخفي تحتها أحياءً وقرىً أو مناطق كاملة. وحين يُقاس النجاح بالمعدل العام، تُمحى الأطراف من الصورة، وكأن الأطراف تتوارى عن المشهد باستحياء عند حضور المدن الكبرى، ويصبح غيابها طبيعيًا ولا سيما أنه لم يُحتسب أصلًا.
العدالة المكانية لا تعني أن تكون الخدمات متساوية على الخارطة، بل أن تكون منصفة في الواقع. وهنا يتحول السؤال من: أين نضع الخدمة؟ إلى: من يحتاجها أكثر في أرض الواقع؟
وهنا نؤكد عندما يُنظر إلى الزمن، والكلفة، وسهولة الوصول، بوصفها عناصر عدالة ؛ إلا أنه لا تقل أهمية عن وجود المرفق ذاته. فالمسافة ليست رقمًا هندسيًا، بل عبئًا يوميًا، وقد تكون كافية لإقصاء كامل عن حق يبدو متاحًا على الورق.
وتزداد الصورة تعقيدًا في زمن التحول الرقمي. حين تُنقل الخدمات إلى المنصات دون الالتفات إلى تفاوت البنية التحتية، أو الفجوات الرقمية بين المناطق، يتحول الرقمي من أداة تمكين إلى طبقة جديدة من الإقصاء. يعود المكان ليفرض نفسه مرة أخرى، لا عبر الطرق والمسافات، بل عبر سرعة الاتصال، والمهارات، وسهولة النفاذ، وكأن الخريطة أُعيد رسمها بلغة أخرى.
غير أن العدالة المكانية لا تختزل في سؤال أين بُنيت الخدمة، بل تمتد إلى سؤال أعمق: كيف اتُخذ القرار؟
من شارك في اختيار الموقع؟ هل كان لسكان الحي صوتا يسمع؟ من أُصغي إليه؟ وهل فرض المخطط على أنه حاضر دون أن يُسأل؟
فالخدمة التي تُصمَّم دون فهم عميق لسياق المكان، قد تكون صحيحة هندسيًا، لكنها مثقلة اجتماعيًا. وما يُبنى دون سماع صوت الناس_ وإن بدا متوازنًا على الورق_ فإنه يحمل في باطنه بذور تهميش الصامت.
في كثير من التجارب، لا يتكدس المركز بالخدمات فقط، بل بالاهتمام والقرار والرمزية. بينما يتحول الهامش إلى مساحة انتظار طويلة: انتظار خدمة، أو تنمية، أو مجرد شعور بأن المكان مرئي وإنا ها هنا. هذا الخلل لا يُنتج فجوة خدمية فحسب، بل فجوة شعورية تخل في ميزان الواجبات والحقوق ، وتُربك الثقة، وتجعل العلاقة مع الحكومة علاقة صبر ومكابدة أكثر منها شراكة ومواطنة.
العدالة المكانية، في جوهرها، ليست مشروع بنية تحتية، بل مشروع إعادة توزيع للانتباه والاعتراف. انتقال هادئ من إدارة المكان إلى إنصافه، ومن تخطيط ينصب حبره على الخارطة إلى تخطيط يرى الإنسان داخلها تسمعه وتفهمه تريرى بعينه وتحتضنه ، بكل ما يحمله من ظروف وتفاصيل وحياة.
وفي قراءة خريطة الخدمات، لا يكون السؤال: كم مركزًا افتتحنا؟ ولا كم خدمة انتشرت؟
بل السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصدق وفي كل مرة:
هل كان الموقع سببًا في التمكين… أم ذريعة غير مرئية للإقصاء والتهميش؟
وهل رأت الحكومة كل أمكنتها ومواقعها، أم اكتفت بالنظر حيث الضوء الأقرب أن يصلها؟
هناك، عند أطراف الخريطة، تتكلم الجغرافيا فعلًا.
وهناك تحديدًا، يُقاس عمق الحكومة… لا اتساعها.
Kifaya2020@gmail.com