من الغربة إلى العودة .. متى يستيقظ الحجر الأصفر من سباته؟ (٢)
م. عبد الغني طبلت الايوبيين
24-01-2026 09:50 AM
في ثمانينيات القرن الماضي ، بدأت السلط تعيش صمتًا غير مألوف تسلّل الى عقبات وادراج وحارات وأسواق وسطها التاريخي ؛ بعد ان اخذ اهلها بالتخلي عنها والانتقال منها وهجرها ؛
وإذا ما غصنا في عمق النسيج العمراني لوسط المدينة التاريخي ، فسنجد أن السر الذي يفتح الباب أمام عودة هؤلاء الأهالي للإقامة في بيوتها والاستفادة من أبنيتها التراثية يتجلّى في التسخير الواقعي والعملي لمبدأ "التكييف الوظيفي"، وفي التخلص من مختلف الأسباب التي تحد من مجاراته وتطبيقه على تلك الأبنية
فالبيوت المشيّدة من الحجر الأصفر تمتلك ميزة جوهرية لا تتوفر في معظم البيوت الحديثة ، ألا وهي القدرة على "التنفس" ، كونها حجارتعا تتألف من مواد مسامية غير مصمتة ، حيث أثبتت المشاهدات والوقائع العلمية والتاريخية أن هذا الطراز من البيوت هو الأكثر استدامة بيئيًا ، والأكثر ملاءمة لطبيعة حياة الإنسان ومحيطه المريح (Comfort Zone) ، فهي باردة صيفًا ودافئة شتاءً وعازلة للضوضاء
غير أن الإشكالية تتجسّد بوضوح في "الوظيفة"(Function) وليس في البيت التراثي ذاته ، وهنا يبرز التساؤل الأهم: كيف يمكن للعقود والأرضيات والجدران الحجرية الصفراء التي تجاوزت أعمارها المئة والخمسين عامًا ، أن تحتضن مطابخ ومعدات ذكية ، وحمّامات عصرية ، وشبكات إنترنت عالية السرعة ، وبنية خدمية متقدمة ، وأنظمة تكييف وعزل وتصريف مائي متطورة ، دون أن تفقد مقومات شخصيتها الفريدة وهويتها الأصيلة ؟
بناء جسور للعودة
إذا ما بدأنا بوضع مقترحات وحلول تهدف إلى بناء جسور تُسهّل استرجاع مقومات الحياة تدريجيًا في منطقة الوسط التاريخي للمدينة ، فإن هذه المقترحات يجب أن تتماهى مع رؤية وأهداف استراتيجية مؤسسية علمية محترفة تُعدّ لهذه الغاية ، فالرؤية الاستراتيجية لم تعد تكتفي بالترميم الجمالي (Aesthetic Restoration) فقط ، بل تجاوزته نحو الانسجام مع مفهوم "الحوكمة الرشيدة" (Good Governance) في التعاطي مع موضوع الاسترجاع ، وكيفية إدارته بأسلوب مؤسسي واعي ورشيد ومستدام ، يعزز من الشفافية ، ويحسن من الكفاءة بغية تحقيق تلك الرؤية ، ويقترح حلولا وبرامج عملية مرضية للتعامل مع مختلف العقبات والإشكاليات المتوقعة ، وتبرز هنا المشكلة الأهم ، المتمثلة في "تفتت الملكيات وتزايد أعداد الورثة"، حيث أصبحت ملكية البيت التراثي الواحد موزعة بين عشرات الورثة ، مما يجعل أي محاولة للترميم شبه مستحيلة قبل أن تبدأ ، وهو ما يستوجب وضع أطر إدارية وقانونية وتعاونية تسمح بدمج الملكيات أو تأجيرها لمدد طويلة ، لمشاريع مرتبطة بإعادة إشغال وسط المدينة التاريخي ، مع دعم كل من يقرر العودة أو العيش فيه بحوافز وامتيازات مجزية (مع أهمية الاطلاع على الحلول التي تم اتباعها في سرايا الخطيب)
وللحديث بقية