هكذا تمضي الأيّام، بين كلمات تُكتب بلا وزن، ومواقف تُقال بلا جذور. زمنٌ كَثُر فيه الندّافون، أولئك الذين ينفخون الكلام حتى يبدو كبيرًا، لكنه بلا حشوة ولا أثر. حديثهم جرّة قلم، ووجودهم لا يصمد أمام أوّل هزّة غربال.
الندّافون يعيشون بلا حلمٍ حقيقي ولا مشروع وطني. ساعاتهم بلا حساب، وهمّهم واحد: المال، بأي طريق، ولو كان على حساب القيم. الوطن عندهم كيس يُهزّ، ما خرج منه خرج، وما بقي لا يعنيهم. يكثرون الوعود، ويُبخّرونها كل مساء، ويظنون أن كثرة الكلام تغني عن صدق الفعل.
في المجالس يتقدّمون أبطالًا، وفي الخطاب العام يرفعون أصواتهم عاليًا، لكنهم عند الاختبار يتوارون. أقوالهم منفوخة كدجاج المزارع، شكل بلا مضمون، وضجيج بلا فكر. ومع كل هزّة غربال، تسقط أقنعتهم، ويظهر الفراغ الذي حاولوا إخفاءه بالشعارات.
حبّ الأوطان عند الندّافين مجرّد جملة عابرة، سرعان ما تتبخّر مع تغيّر المصالح. من سمع حديثهم صدّقهم، ومن راقب أفعالهم اكتشف أنهم كرتون أمام الريح، لا وزن لهم ولا ثبات. لا تاريخ يُمسك بهم، ولا أثر يبقى بعد رحيلهم.
فالزمن لا يحفظ الكلام، بل يحفظ المواقف. وهزّة الغربال لا ترحم؛ تُبقي الصادق، وتحوّل الزائف إلى رماد. أما الندّافون، فمصيرهم أن يُعرفوا كما هم: ضجيج كثير… وحقيقة قليلة.