facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قراءة في اشكالية ضبط وتنظيم مشهد "الإعلام الرقمي"


فيصل تايه
24-01-2026 11:27 AM

عطفاً على مقالي السابق الذي تناولت فيه فلسفة تنظيم "الإعلام الرقمي" ، ومع اتساع دائرة النقاش العام وارتفاع منسوب القلق في الشارع الإعلامي، وصدور بيان لجنة الحريات في نقابة الصحفيين، وتعدد القراءات المتباينة لمسودة نظام تنظيم "الإعلام الرقمي" ، بات من الضروري الانتقال من حالة الجدل الانفعالي إلى مساحة أهدأ، تقرأ فيها النصوص كما هي، وتفهم التخوفات كما طرحت، دون إنكار أو تهويل، ودون اصطفاف مع جهة ضد أخرى.

ما نشهده اليوم ليس انقساما ، بل حالة ترقب حقيقية، سببها أن "الإعلام الرقمي" أصبح أحد أهم أدوات التأثير في الوعي وصناعة الرأي العام ، وأي اقتراب تشريعي منه يُقرأ تلقائياً بوصفه مساساً مباشراً بمساحات التعبير ، لذلك ، فإن القلق السائد ليس حالة مفرطة ، بل رد فعل طبيعي على تحولات عميقة لم تحسم قواعدها بعد.

لكن في المقابل، لا يمكن القفز فوق حقيقة أساسية مفادها أن الفضاء الرقمي، رغم اتساعه وحيويته، بات يحمل في داخله أنشطة منظمة ذات طابع اقتصادي وتجاري وإعلامي مؤسسي، ولم يعد مجرد مساحة تعبير شخصي عفوية ، فهذا التحول، شئنا أم أبينا، يفرض على الدولة أن تبحث عن أدوات تنظيمية، لا بقصد التضييق، بل بقصد ضبط العلاقة بين الفاعلين، وحماية السوق، ومنع الفوضى، وصون حق الجمهور في معرفة طبيعة المحتوى الذي يقدم له.

الخطأ الذي وقع فيه كثير من النقاش الدائر هو التعامل مع مسودة النظام وكأنها نص نهائي مغلق، أو كأنها إعلان نوايا لتقييد الحريات، بينما هي في حقيقتها مشروع تنظيمي ما زال في طور الصياغة، وقابلاً للأخذ والرد والتعديل ، ولو كانت النية مصادرة أو قمعاً ، لما فتح باب النقاش أصلاً ، ولا أُحيل النظام إلى مسارات تشريعية معروفة، ولا جرى تداوله علناً .

وعند قراءة مسودة النظام قراءة قانونية مجردة من الانطباعات، يتضح أنها لا تستحدث قيوداً جديدة على حرية الرأي والتعبير، ولا تمس جوهر العمل الصحفي، ولا تتعامل مع الأفراد بصفتهم الشخصية، بل تنطلق من إطار قانوني قائم، وتستند إلى تشريعات نافذة، وتحاول تنظيم نشاط محدد له سمات اقتصادية وإعلامية واضحة ، غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في النص وحده، بل في احتمالات تفسيره وتطبيقه، وهنا تحديداً يتقاطع القلق المشروع مع الحاجة إلى الضبط الدقيق.

أكثر ما أثار المخاوف كان الحديث عن صلاحيات هيئة الإعلام ، وصفة الضابطة العدلية، وحدودها ، وهذه المخاوف، مهما اختلفنا حول تقديرها، لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها ، فالتجربة الأردنية، كما تجارب كثيرة في المنطقة، علمتنا أن النص الجيد قد يساء تطبيقه إن لم يكن محكم الصياغة ، لذلك، فإن جوهر النقاش لا ينبغي أن ينصرف إلى رفض الصلاحيات من حيث المبدأ، بل إلى تحديدها وضبطها ومنع أي توسع في تفسيرها خارج الإطار التنظيمي البحت، وبما يقطع الطريق على أي تداخل مع المحتوى أو الرأي أو العمل الصحفي.

وينسحب الأمر ذاته على الجدل المتعلق بالخلط بين الناشط على وسائل التواصل، وصانع المحتوى، والصحفي الرقمي ، فهذا الخلط، إن وجد، لا يعالج بإسقاط فكرة التنظيم، بل بتحسين التعريفات وضبط المصطلحات ، فالفضاء الرقمي بطبيعته متداخل، وأي تشريع ذكي لا يسعى إلى صهر الجميع في قالب واحد، بل إلى التمييز بين النشاط الشخصي الحر، والنشاط الإعلامي المنظم، والنشاط التجاري، دون اقصاء ودون تحميل التعبير الفردي أعباءً لا يحتملها.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل النقاش عن الدور النقابي، ولا عن دور الدولة ، فالنقابة، بما تمثله من تاريخ مهني، معنية بحماية الصحفيين، لكن الإعلام الرقمي فرض واقعاً جديداً تجاوز الأطر التقليدية، ولا يمكن احتواؤه بالمنطق ذاته ، وكما أن الدولة، من جهتها، معنية بالتنظيم، لا بالوصاية، وبخلق بيئة عادلة ومحفزة، لا بخنق المبادرات أو إضعاف التأثير.

وأقول ان الخطورة الحقيقية لا تكمن في وجود نظام لتنظيم "الإعلام الرقمي" ، بل في أن يترك هذا الفضاء دون قواعد واضحة، فيتحول إلى ساحة فوضى، أو إلى سوق غير منظم يضر بالمهنة وبالمجتمع معاً ، وفي المقابل، فإن التنظيم غير المتوازن قد يقتل الإبداع ويعمّق فجوة الثقة ، وبين هذين الحدين، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق المشرع، في صياغة نص مرن واضح ، قابل للتطوير، ومحاط بضمانات كافية تحول دون سوء الفهم أو سوء التطبيق.

ما يحتاجه الأردن اليوم ليس صراعاً بين الحرية والتنظيم، ولا بين الإعلام التقليدي والرقمي، بل مقاربة عقلانية تعترف بالتحول، وتحمي الحرية، وتنظم السوق، وتفتح الباب أمام إعلام رقمي قوي، مؤثر، ومسؤول، قادر على المنافسة إقليمياً ، لا محاصراً محلياً .

من هنا، فإن الطريق الأسلم لا يكون برفض المسودة أو الدفاع الأعمى عنها، بل بتطويرها، وتحسينها، والاستماع الجاد لكل الملاحظات، وصياغة نص نهائي يعكس توازن الدولة والمجتمع والمهنة ، فهذا هو الرهان الحقيقي، وهذه هي الفرصة التي لا ينبغي التفريط بها.

وأخيراً ، أؤكد أن هذا المقال ليس دفاعاً أعمى أو تصفيقاً لأي جهة، بل رؤية متوازنة، عميقة، موضوعية، تحلل واقع الفضاء الرقمي بكل أبعاده، وتقدم خارطة طريق واضحة لمسار التشريع والتنظيم الذكي ، فكل الأطراف من مسؤولين، وصحفيين، ومواطنين، وصناع المحتوى، والمختصين "مرحب بهم" وكما أعلنت "هيئة الاعلام" للمشاركة في الحوار، وإثراء النقاش، وصقل النص بما يحقق التوازن بين الحرية والمسؤولية

ويبقى القول ، إن الهدف ليس الحد من الحرية، بل تأطيرها بذكاء وحكمة، مع حماية المهنة والمجتمع ، فهذه هي اللحظة التي يجب أن نغتنمها جميعاً لبناء إعلام رقمي أردني قوي، مؤثر، ومسؤول، يكون مرجعاً وطنياً يحتذى به، ويفتخر به كل من شارك في صياغته أو تبنى مبادئه.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :