صواريخ ومقاومة وغطاءً لعرش يهتز
د. محمود الشغنوبي
13-03-2026 03:40 AM
لا شيء يبعث على السخرية في هذا الشرق الأوسط الملتهب أكثر من مشهد نظام يتشح بعباءة "القدس" وفلسطين، بينما صواريخه لا تعرف طريقاً إلى غزة المحاصرة، ولا تبحث إلا عن سماء الكيان لترسم بها معادلة نفوذ لا علاقة لها لا بدم الطفل الفلسطيني ولا بحجر الانتفاضة.
فها هي إيران، "حامية القضية" كما يزعم منظروها، تطلق رشقاتها الصاروخية الباليستية باتجاه تل أبيب وحيفا، وتنسى أن غزة هناك تنزف تحت الأنقاض، لتذكرنا جميعاً بأن الدم الفلسطيني في لعبة الأمم ليس إلا حبراً تُكتب به دفاتر تفوق دول إقليمية، وحجةً رخيصة لتمرير أجندات لا تمت لتحرير الأرض بصلة.
في الأيام الأخيرة وحدها، أطلقت إيران مئات الصواريخ على دولة الكيان. لكن السؤال الذي لن يطرحه "المقاومون" بالفيديوات المصورة: كم صاروخاً من هذه الترسانة الهائلة سقط على حدود غزة ليكسر الحصار؟ الإجابة المحبطة: ولا صاروخ واحد! فغزة ليست على طريق الصواريخ الإيرانية، لأن طهران لا تعترف بجغرافيا فلسطين بقدر ما تعترف بجغرافيا نفوذها هي. فبينما تزعم الجمهورية الإسلامية أن قلبها مع الأقصى، نراها تمد يدها إلى دول الخليج العربي، ليس لتحريرها طبعاً، بل لاستهدافها في صميم اقتصادها، فتصبح المنظومة الخليجية بالكامل أهدافاً إيرانية مفتوحة لمجرد أنها قريبة أو أنها تمتلك نفطاً أو أنها ببساطة لم تهنئ بالهجوم على دولة الكيان بالشكل المطلوب!
إنها كوميديا سوداء بامتياز: ثوار الأمس يتحولون اليوم إلى جيران ثقيلين يضربون من لم يقاتلهم، تحت شعار "نصرة غزة"! لقد استهدفت إيران دول الخليج بصواريخها لأن هذه الدول - في حسابات طهران - "آوت الأميركان" أو لأنها "تطبع مع إسرائيل". ولم تسأل نفسها للحظة: هل غزة التي تزعمون نصرها كانت ستفرح بسقوط صواريخ على مراكز تسوق في دبي أو منشآت نفط في الظهران؟ أم أن غزة مجرد "بيبي" إعلامي نحمله على الأكتاف في المسيرات ثم نبيعه بأبخس الأثمان عندما يتعلق الأمر بتحالفاتنا الكبرى؟
والأكثر إضحاكاً وإبكاءً معاً، أن إيران التي تريد تحرير فلسطين على لسان مرشديها السابقين، هي نفسها التي لا تتوانى عن التفاوض مع الأميركان خلف الكواليس، وتناور في أروقة الأمم المتحدة، وتلعب لعبة "حروب الاستنزاف" الطويلة التي تحافظ فيها على ترسانتها الصاروخية كما يحافظ البخيل على كنزه. فبحسب تقديرات دولة الكيان، فإن إيران تتعامل مع الصراع باعتباره حرباً طويلة الأمد، ما يدفعها إلى تجنب استنزاف مخزونها الصاروخي بسرعة في المراحل الأولى من المواجهة، والاحتفاظ بجزء كبير من قدراتها لاستخدامه في مراحل لاحقة إذا استمر التصعيد أو اتسعت رقعة الحرب. وهذه ليست مقاومة يا سادة، هذه حسابات بنكية!
طهران تريد لدولة الكيان أن تخاف، ولأميركا أن ترتعش، وللعرب أن يتجمعوا حولها خائفين مترقبين، أما غزة فلتنتظر! غزة التي تُقصف وتُحاصر وتُذبح يومياً، لا تستحق من إيران أن تضحي من أجلها بصاروخ باليستي واحد من تلك الصواريخ التي تدخرها "للمعارك الكبرى" مع العدو الصهيوني. والنتيجة أن الصواريخ تصل إلى عمق الكيان، ولكنها تصل أيضاً إلى دول الخليج، وتصل إلى كل مكان باستثناء غزة التي يُرفع شعارها. بل إن بعض المحللين يرون أن تقليل إيران لإطلاق الصواريخ قد يكون استراتيجية متعمدة لتجنب استنزاف مخزونها، باعتبار الصراع حرباً طويلة الأمد للحفاظ على الردع. الردع لمن؟ بالتأكيد ليس لتحرير فلسطين، بل للحفاظ على النظام الإيراني نفسه.
وهنا تكملة النكتة السوداء: لقد جرت إيران جيرانها العرب إلى حرب لم يختاروها، وجعلت منهم أهدافاً مشروعة لمجرد أنهم لا يشاركونها العداء لمن تعاديهم و بالطريقة التي تريدها هي. هذا هو "دعم القضية الفلسطينية" على الطريقة الإيرانية: أن تتحول دول عربية بأكملها إلى رماد لأنها لم تبارك الهجوم على دولة الكيان، وكأن فلسطين أصبحت ورقة ضغط بيد طهران ضد من يشككون في مشروعها الإقليمي، وليست قضية شعب يموت كل يوم تحت القصف والجوع.
إن من يتابع التصريحات الإيرانية، يجد أنها لم تعد حتى تكلف نفسها عناء التحدث عن غزة. الحديث اليوم عن "الردع"، وعن "النفوذ الإقليمي"، وعن "الانتقام لمقتل قادة الحرس الثوري"، وعن "فرض المعادلات الجديدة". أما غزة فهي مجرد هامش في خطبة الجمعة، أو فقرة عابرة في البيان الختامي، أو في مناظرة على الشاشات. فلسطين تحولت من قضية مركزية للأمة إلى مجرد مدفع يغطي تمدد دولة إقليمية كبرى تبحث عن مكان تحت شمس نظام دولي جديد.
فليكن واضحاً لكل من يصدق "مقاومة" إيران: لو كانت الصواريخ التي تطلق على دولة الكيان تهدف حقاً لتحرير فلسطين أو لنصرة غزة، لكانت بدأت بفك الحصار عن القطاع، أو بإمداد المقاومة الفلسطينية بما تحتاجه من سلاح حقيقي يعيد التوازن، وليس بخطابات الحرس الثوري عن "وحدة الساحات". ولكن العكس هو الصحيح. إيران تحتاج إلى استمرار الصراع، تحتاج إلى أن تُبقي الكيان عدواً، وتحتاج إلى أن تبقى فلسطين جريحة، لأن في ذلك بقاء لدورها الإقليمي وشرعيتها الداخلية. الاختصار أن الكيان ونظام طهران " وجهان لعملة واحدة" فلو تحررت فلسطين غداً، فباسم من ستطلق الصواريخ إذن؟ وباسم من ستسيطر على قرار دول عربية؟
لقد آن الأوان أن نخلع عن أعيننا غشاوة الشعارات البراقة، وأن نرى الحقائق عارية: الصاروخ الإيراني لا يفرق بين عربي وصهيوني، ولا بين محتل ومقاوم، ولا بين غزة وتل أبيب. الصاروخ الإيراني يبحث فقط عن هدف يثبت به نظام الملالي أن صواريخه لا تزال قادرة على الوصول، وأن نفوذه لا يزال ممتداً، وأن صوته لا يزال مسموعاً. أما فلسطين، فلسطين الحقيقية، التي تئن تحت الاحتلال، فلتستمر في الانتظار.
وفي النهاية، يبقى المشهد الأكثر إيلاماً وسخرية: طفل في غزة يبحث تحت الأنقاض عن لعبة فقدها، بينما في طهران يرقص سياسي على شاشة التلفاز معلناً "انتصار المقاومة". طفل يبحث عن قطعة خبز، وآخرون يبحثون عن كرسي إقليمي تحت اسمه. طفل يبكي على أمه، وسياسي يبكي على هيبته الدولية. وكلاهما ينادي "يا قدس"، لكن الأول يعنيها حجراً ودمعاً ودماً، والثاني يعنيها شعاراً وستاراً وممراً آمناً لنفوذه.
ضحكة ساخرة يختلط فيها الدمع بالمرارة: أي وطن هذا الذي يتحول إلى كبش فداء لصراعات الآخرين؟ وأي قضية هذه التي تصبح باباً خلفياً لتسوية الحسابات الإقليمية؟ لا عزاء لفلسطين، فقد كثر الناعون لها وقل الناصرون. ولا عزاء لغزة، فقد تحولت إلى أيقونة على شاشات الفضائيات يتبارى في حملها من لا يعرفون طريقاً إليها. ويبقى السؤال الذي لا جواب له: ترى، لو سقط صاروخ إيراني على تل أبيب وقتل جنوداً صهاينة، هل كان سيفتح طريقاً لغزة؟ أم أن غزة ستظل إلى الأبد وصفة سحرية تُستخدم حين الحاجة، وتُرمى في سلة المهملات حين تُنجز الصفقات؟ بين البكاء والضحك، تبقى فلسطين وحدها تنتظر... تنتظر من يبكيها حقاً، لا من يبكي على خشبة المسرح.
وسلامتكم..