facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




رسالة التحول البنيوي: قراءة تحليلية معمقة في التوجيهات الملكية


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
24-01-2026 12:51 PM

تمثل الرسالة السامية التي وجهها جلالة الملك عبدﷲ الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، وثيقة وطنية بالغة الأهمية، يمكن اعتبارها إعلاناً رسمياً عن دخول القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي مرحلة جديدة من التطوير الشامل، تقوم على التحول البنيوي المنظم، لا على التحديث الجزئي أو الاستجابة الظرفية للتحديات.

فالرسالة، في مضمونها وتوقيتها، تعكس وعياً استراتيجياً عميقاً بطبيعة المرحلة الإقليمية والدولية، وبالتحولات الجذرية التي طرأت على مفاهيم القوة، وأشكال الصراع، وبيئات العمليات العسكرية. وهي بذلك تخرج من إطار التوجيهات التقليدية إلى فضاء التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، المرتبط برؤية الدولة وأمنها الوطني الشامل.

لقد استهل جلالة الملك رسالته بتأكيد المكانة الراسخة التي يحتلها الجيش العربي في الوجدان الأردني، بوصفه مؤسسة وطنية جامعة، لم تنفصل يوماً عن شعبها، ولم تحِد عن دورها التاريخي في حماية الدولة، وصون الاستقرار، والدفاع عن السيادة. هذا التأكيد ليس توصيفاً عاطفياً، بل حقيقة راسخة كرستها عقود من الانضباط والاحتراف والتضحيات، جعلت من القوات المسلحة الأردنية نموذجاً يُحتذى في المهنية العسكرية، رغم محدودية الموارد وتعقيد البيئة المحيطة.

وتأتي أهمية الرسالة الملكية من كونها تنطلق من تشخيص دقيق لطبيعة التهديدات المعاصرة، التي لم تعد محصورة في صدامات عسكرية تقليدية، بل باتت متعددة الأبعاد، تتداخل فيها التهديدات العسكرية مع السيبرانية، والاقتصادية، والمعلوماتية، وتتمدّد عبر مساحات غير مرئية تتجاوز الجغرافيا التقليدية. ومن هنا، جاءت الدعوة الصريحة إلى إعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق واضحة، بأفق زمني محدد، لتحقيق تحول بنيوي يضمن الجاهزية المستدامة، لا المؤقتة.

وتبرز في الرسالة رؤية متقدمة لمفهوم إعادة الهيكلة العسكرية، بحيث لا تقتصر على إعادة توزيع الوحدات أو تحديث المعدات، بل تشمل مراجعة الهيكل التنظيمي، والعقيدة القتالية، وأساليب التدريب، بما يتناسب مع متطلبات القتال في بيئات عمليات مختلفة، ويضمن إتقان أدوات الحرب الحديثة، والتوظيف الفاعل للقدرات، ضمن منظومة متكاملة عالية الكفاءة.

كما تؤسس التوجيهات الملكية لمفهوم القوات المسلحة الرشيقة والنوعية، القادرة على التحرك السريع، واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي، وتحقيق الردع الاستراتيجي عبر الكفاءة والتكامل، لا عبر الكم وحده. ويُعد هذا التوجه انسجاماً واضحاً مع الاتجاهات العالمية في بناء الجيوش الحديثة، التي تركز على المرونة، والتخصص، والتكنولوجيا، ورفع مستوى الاحتراف الفردي والجماعي.

وفي هذا السياق، يكتسب التركيز على منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات أهمية مركزية، باعتبارها العمود الفقري لأي قوة عسكرية حديثة. فامتلاك منظومة موثوقة، وآمنة، وقابلة للصمود في بيئات معقدة، يشكل شرطاً أساسياً لحماية مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية، وضمان فعالية القرار العسكري في مختلف الظروف.

وتولي الرسالة اهتماماً خاصاً بمجال العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية، باعتباره أحد ميادين التنافس الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين. وهذا التوجه يعكس إدراكاً ملكياً عميقاً بأن الفضاء السيبراني لم يعد مجالاً داعماً فقط، بل أصبح ساحة قتال قائمة بذاتها، تتطلب استثماراً ممنهجاً في بناء القدرات البشرية والتقنية، ووضعه ضمن أولويات الأمن الوطني.

كما تبرز الإشارة إلى توظيف الأنظمة المسيرة والذكاء الاصطناعي على جميع مستويات وحدات القوات المسلحة، وهو ما يضع الجيش العربي في مسار التحديث المتقدم، ويعزز قدرته على تقليل المخاطر، ورفع دقة الأداء، وزيادة الفاعلية العملياتية، بما يتلاءم مع طبيعة الحروب المعاصرة.

ولا تقل أهمية التوجيه الملكي المتعلق ببناء قوات احتياط كافية ومعززة بالقدرات اللازمة، قادرة على تنفيذ المهام وفق الخطط التعبوية، إلى جانب دراسة التوظيف الأمثل لوحدات حرس الحدود والدرك والشرطة الخاصة. فهذا التوجه يعكس فهماً تكاملياً للأمن، يقوم على تنسيق الأدوار بين مختلف المؤسسات الأمنية والعسكرية، ضمن رؤية وطنية شاملة لإدارة الأزمات والتهديدات.

وفي الجانب اللوجستي، تؤكد الرسالة على ضرورة تعزيز منظومة الإسناد، وضمان انسيابية خطوط الإمداد والاستدامة، وهو عنصر غالباً ما يشكل الفارق الحاسم في النزاعات الحديثة، حيث لم تعد القدرة القتالية تقاس فقط بالقدرات الهجومية، بل بقدرة المؤسسة العسكرية على الاستمرار والصمود.

أما في مجال الصناعات الدفاعية، فإن إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير ليكون نواة حقيقية للبحث والتطوير والتصنيع الدفاعي المتقدم، يمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية. فهي لا تعزز القدرات العسكرية فحسب، بل تسهم في بناء اقتصاد معرفي، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز الاعتماد على الذات، بما يخدم الأمن الوطني والتنمية في آن واحد.

وتكتمل الرؤية الملكية بالتأكيد على إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للقوات المسلحة، وفق أعلى معايير الحوكمة والإدارة الرشيدة، بما يعكس حرص القيادة على الكفاءة، والشفافية، وحسن إدارة الموارد، وصون دور المؤسسة العسكرية بعيداً عن أي تشوهات إدارية أو مالية.

ومن زاوية شخصية ووطنية، تستحضر هذه الرسالة معاني متجذّرة من الفخر والانتماء العميق للجيش العربي، انتماء لم يتشكّل بوصفه شعوراً عابراً أو موقفاً ظرفياً، بل هو حصيلة تجربة حياتية متوارثة، تشكّلت عبر أجيال تعاقبت على خدمة الوطن من بوابة الشرف العسكري. فالانتماء للجيش العربي، في هذه الحالة، ليس رواية تُستعاد، بل سيرة وطنية عاشت تفاصيلها الأسر قبل أن تُكتب في الكتب.

أنتمي لأسرة كان الانخراط في صفوف القوات المسلحة فيها خياراً واعياً ومسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنة أو وظيفة؛ فوالدي ضابط متقاعد، وعمي ضابط متقاعد، وجدي من الرعيل الأول الذين أسهموا في تأسيس جهاز الدفاع المدني، إيماناً بأن حماية الإنسان لا تقل شرفاً عن حماية الحدود. كما أن جدي لوالدتي ضابط متقاعد أيضاً، حمل ذات القيم، وارتدى ذات الشعار، وخدم تحت ذات الراية التي جمعت الأردنيين على معنى واحد للوطن والواجب.

وفي قلب هذا الإرث العائلي يقف خالي، شهيد القوات المسلحة الأردنية، شاهداً على أن الانتماء للجيش العربي لم يكن يوماً التزاماً نظرياً، بل كان استعداداً للتضحية القصوى دفاعاً عن الوطن، وحماية لأمنه، وصوناً لكرامته. فالشهادة في ثقافة الجيش العربي ليست حدثاً، بل قيمة، وليست نهاية، بل استمرار لمعنى العطاء الذي لا يُقاس بالعمر، وإنما بالأثر.

إن استحضار هذا الإرث لا يأتي من باب التفاخر الشخصي، ولا يُقصد به استدعاء سيرة خاصة، بل بوصفه نموذجاً مصغراً لعلاقة الأردنيين جميعاً بجيشهم؛ علاقة قامت على الثقة، والالتزام، والإيمان العميق بأن القوات المسلحة الأردنية كانت، وستبقى، مدرسة وطنية جامعة، تصنع الرجال قبل أن تصنع القادة، وتغرس في منتسبيها قيم الانضباط، والولاء، والتضحية، وتؤسس لمعنى المواطنة الفاعلة التي تضع الوطن فوق كل اعتبار.

ومن هنا، فإن الرسالة الملكية لا تُقرأ فقط بوصفها توجيهاً استراتيجياً للتحديث والتطوير، بل تُستقبل أيضاً بوصفها تجديداً للعهد بين القيادة الهاشمية وجيشها المصطفوي، وبين الجيش والشعب، بأن تبقى هذه المؤسسة الوطنية راسخة في قيمها، متقدمة في قدراتها، أمينة على تضحيات أبنائها، وحارسة لمستقبل الوطن كما كانت حارسة لتاريخه.

ختاماً، يمكن القول إن الرسالة الملكية تمثل خارطة طريق تاريخية لتحديث القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، برؤية استراتيجية واضحة، وإرادة سياسية حازمة، وثقة مطلقة برجال الجيش. وهي رسالة تؤكد أن الأردن، بقيادته الهاشمية، وجيشه المصطفوي، قادر على مواكبة المتغيرات، وصون أمنه، والبقاء في طليعة الدول المستقرة، الراسخة بمؤسساتها، والمحصنة بقواتها المسلحة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :