ليست المدرسة مبنىً من إسمنت وصفوف و اوراق و اقلام فحسب، بل هي النسخة الأولى، المصغّرة، والأكثر صدقًا من المجتمع الذي سنخرج إليه لاحقًا. ما يحدث داخل أسوار المدرسة لا ينتهي عند جرس الحصة الأخيرة، بل يمتدّ أثره إلى الشارع، والمؤسسة، والدولة. المدرسة ليست مرحلة عابرة في حياة الإنسان، بل هي المختبر الأول الذي تُصاغ فيه القيم، وتُختبر فيه الأخلاق، ويُعاد فيه إنتاج المجتمع جيلًا بعد جيل.
حين ننظر بعمق إلى سلوك الطلبة داخل المدرسة، ندرك سريعًا أننا أمام صورة أولية لما سيكون عليه المجتمع لاحقًا. الرشوة الصغيرة في المدرسة، حين تُدفع لتمرير امتحان أو لتجاوز عقوبة، ليست إلا تدريبًا مبكرًا على رشوة أكبر في صندوق الانتخابات أو في دهاليز الوظيفة العامة. الطالب الذي يتعلم أن النجاح يمكن شراؤه، سيكبر وهو مقتنع أن المنصب، والقانون، والحق العام، كلها قابلة للبيع. هكذا تتشكل الذهنية قبل أن تتشكل الدولة.
وفي المقابل، فإن النجاح في المدرسة ليس مجرد تفوق أكاديمي، بل هو تمرين على النجاح في المجتمع. الطالب الذي يتعلم احترام الوقت، والالتزام بالواجب، والعمل الجماعي، والنقاش الصحي، سيحمل هذه القيم معه إلى الجامعة وسوق العمل والحياة العامة. حتى الأحاديث الجانبية في ساحة المدرسة، وطريقة إدارة الخلافات بين الطلبة، واحترام المختلف، كلها تفاصيل صغيرة تصنع لاحقًا مواطنًا قادرًا على العيش في مجتمع متوازن أو عاجزًا عن ذلك.
وإذا أخذنا عيّنة عشوائية من مدارس العالم، سنكتشف أن الفروق بين المجتمعات تبدأ من الصف الدراسي. في كثير من المدارس العربية، نلحظ أحيانًا تغليب النجاح الفردي بأي ثمن، حتى لو كان على حساب القيم أو العدالة. الطالب المتفوق يُحتفى به، لكن نادرًا ما يُسأل: كيف تفوقت؟ هل بالجهد أم بالمحسوبية؟ هذا النمط ينعكس لاحقًا على المجتمع العربي، حيث يُمجَّد النجاح، لا الطريق إليه، وتُبرَّر الوسائل ما دامت الغاية لامعة.
في المدرسة اليابانية، لا يُنظر إلى الطالب بوصفه فردًا منفصلًا، بل جزءًا من منظومة. الانضباط ليس قيدًا، بل قيمة أخلاقية. تنظيف الصف، احترام الدور، الالتزام الصارم بالقانون المدرسي، كلها ممارسات يومية تُنتج لاحقًا مجتمعًا يحترم النظام، ويقدّس العمل، ويخجل من الإخلال بالواجب العام. ليس من المبالغة القول إن أخلاق المجتمع الياباني تبدأ من طريقة دخول الطالب إلى صفه المدرسي.
أما المدرسة الفرنسية، فتُجسّد بدورها انعكاسًا صريحًا للمجتمع الذي تنتمي إليه. القضايا الحساسة، كالجنس والدين والهوية، تُناقش في المدرسة بجرأة نسبية، لا باعتبارها محرمات، بل بوصفها موضوعات فكرية وإنسانية. هذا الانفتاح المدرسي ينعكس على مجتمع يتعامل مع هذه القضايا في الفضاء العام بلا خوف، وإن لم يخلُ الأمر من صدامات وجدليات. المدرسة هنا لا تفرض رؤية واحدة، بل تُدرّب الطالب على التفكير، والاختلاف، والدفاع عن الرأي.
من هنا، لا يمكننا أن نغضّ الطرف عن حقيقة جوهرية: المجتمع ليس كيانًا يولد فجأة، بل هو ابن مدرسة. مدرسة علّمته الصدق أو درّبته على التحايل. معلم ألهمه ففتح له أبواب المعرفة، أو معلم قهره فزرع فيه الخوف والكراهية. معلم لم يُعلّم شيئًا، أو معلم جعل التعليم رسالة. في كل الحالات، المعلم ليس موظفًا يؤدي واجبًا، بل صانع إنسان، وبالضرورة صانع مجتمع.
المدرسة هي المكان الأول الذي يختبر فيه الإنسان السلطة، والعدالة، والحرية، والعقاب، والمكافأة. فإذا كانت السلطة في المدرسة عمياء أو ظالمة، سيكبر الطالب وهو يرى الظلم أمرًا طبيعيًا. وإذا كانت القوانين تُطبق بانتقائية، سيتعلم أن القانون وُجد ليُلتف عليه. أما إذا شعر الطالب أن النظام عادل، وأن صوته مسموع، وأن جهده مُقدَّر، فسينقل هذا الإيمان إلى المجتمع الكبير.
لهذا، فإن أي حديث عن إصلاح المجتمع لا يمكن أن يتجاوز المدرسة. لا يمكننا أن نطالب بنزاهة سياسية، ونحن نغضّ الطرف عن فساد تربوي. ولا يمكننا أن ننتظر مواطنًا واعيًا، إذا كان تلميذ الأمس قد نشأ في بيئة تعليمية تقتل السؤال، وتكافئ الحفظ الأعمى، وتُقدّس الخضوع.
المدرسة مجتمع مصغّر، نعم، لكنها أيضًا مرآة صادقة. إن صلحَت، صلح المجتمع معها، وإن فسدَت، فسد المجتمع قبل أن ندرك السبب. ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية: من الصف، من المعلم، من القيم التي نزرعها في عقول صغيرة، ستصبح غدًا أوطانًا كاملة.