إعادة صياغة القوة .. كيف تضع الهيكلة الجيش العربي على خارطة المستقبل؟
العنود عبدالله الطلافيح
25-01-2026 12:00 PM
في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة التي تموج بتحولات جيوسياسية لم تشهدها منذ عقود، جاءت التوجيهات الملكية السامية (يناير 2026) لإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، لتعلن عن ميلاد مرحلة جديدة لا تقف عند حدود التنظيم الإداري، بل تتجاوزها إلى "ثورة بنيوية" في العقيدة القتالية. إن الأردن اليوم لا يكتفي بمواكبة العصر، بل يشرع في صياغة مفهومه الخاص لـ "حروب الجيل السادس"، مبرهناً أن قوة الدول لم تعد تُقاس بضخامة الحشود، بل برشاقة العقل العسكري وتفوقه التكنولوجي.
عقيدة الجيل السادس: من "الميدان الصلب" إلى "الفضاء السيبراني"
إن الانتقال نحو عقيدة الجيل السادس يعني باختصار تحويل الجيش من قوة تقليدية تعتمد على "الكثافة النارية والعدد" إلى قوة ذكية تعتمد على "الدقة والترابط" تبرز ملامح هذا التحول في ثلاثة محاور استراتيجية:
الذكاء الاصطناعي والأنظمة المسيرة: لم تعد الطائرات دون طيار (Drones) مجرد أداة استطلاع، بل أصبحت في الفكر العسكري الأردني الجديد جزءاً أصيلاً من تشكيلات الوحدات كافة، مما يمنح القائد الميداني قدرة على الرؤية والتنفيذ في "الزمن الحقيقي".
السيادة السيبرانية: لأول مرة، يتم وضع العمليات السيبرانية (الدفاعية والهجومية) كأولوية قصوى، مما يعني أن حدود الأردن لم تعد تنتهي عند الأسلاك الشائكة، بل تمتد لتشمل الفضاء الرقمي الذي بات مسرحاً لتخريب الدول وتضليل الوعي.
القوات الرشيقة (Agile Forces): التوجه نحو وحدات صغيرة، عالية التسليح، مفرطة السرعة في الاستجابة، وقادرة على العمل بشكل مستقل أو ضمن منظومة قيادة وسيطرة موحدة (C4ISR).
لماذا الآن؟تأتي هذه الهيكلة استجابةً لبيئة أمنية "سائلة" وغير مستقرة. فالأردن يواجه على حدوده الشمالية والشرقية تحديات غير تقليدية، من عصابات تهريب المخدرات المدعومة بمليشيات، إلى تحولات المشهد في سوريا، وصولاً إلى تداعيات الصراع في الأراضي الفلسطينية. إن عدو اليوم لم يعد "جيشاً نظامياً" يقابلك في جبهة واضحة، بل هو "عدو هجين" يستخدم التكنولوجيا، والإعلام، والحروب النفسية، مما فرض على "النشامى" تغيير أدوات اللعبة لضمان الردع الاستراتيجي
أثر الهيكلة على "النشامى": الجندي التكنو-استراتيجي
بالنسبة للفرد العسكري، فإن هذا التحول يمثل تحدياً وفرصة في آن واحد:
نوعية التدريب: سيتحول الجندي من "مقاتل تقليدي" إلى "مشغل أنظمة ذكية" هذا يتطلب رفع سوية التأهيل العلمي والتقني، مما يعزز من قيمة الفرد العسكري ليس كقوة بدنية فحسب، بل ككادر معرفي رفيع المستوى
خدمة العلم (العودة بحلة جديدة): تفعيل "خدمة العلم" بالتوازي مع الهيكلة يهدف إلى بناء احتياط استراتيجي شاب، لا يكتسب مهارات القتال فحسب، بل يذوب في بوتقة الهوية الوطنية، مما يخلق جيلاً منضبطاً قادراً على سد الثغرات في الأزمات الكبرى.
المعنويات: إن امتلاك الجندي لأحدث التكنولوجيات العالمية يعزز من ثقته بقدرته على التفوق، ويجعل من الانتساب للجيش العربي مساراً مهنياً تقنياً يضاهي أرقى المؤسسات العالمية.
الدولة والسيادة: نحو استقلال دفاعي
على صعيد الدولة، تهدف الهيكلة إلى تحقيق "الاستقلال الاستراتيجي" من خلال تفعيل دور المركز الأردني للتصميم والتطوير (JODDB)، يسعى الأردن لتوطين الصناعات الدفاعية، وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية.[2] هذا التحول يعني أن الدفاع عن الأردن أصبح قراراً أردنياً بامتياز، مدعوماً بصناعة وطنية وعقول محلية، مما يرفع من وزن المملكة في الميزان الجيوسياسي كدولة "مُصدّرة للأمن" وليست فقط "مستهلكة له".
إن هيكلة الجيش العربي هي رسالة لكل من يهمه الأمر: الأردن قوي، متجدد، وقادر على ابتكار حلول دفاعية تتجاوز تعقيدات الإقليم. إنها خطوة تؤكد أن القيادة الهاشمية تمتلك رؤية استشرافية ترفض السكون؛ فالجيش الذي حمى الدولة في مئويتها الأولى، يعيد صياغة نفسه اليوم ليكون الدرع الرقمي والسيف التقني الذي يحمي منجزاتها في مئويتها الثانية.
الهدف واضح: جيشٌ أصغر حجماً، لكنه أفتك أثراً، وأسرع حركة، وأعمق رؤية.