الاحتلال الناعم .. كيف يُمارس في الأردن؟!
محمود الدباس - أبو الليث
25-01-2026 05:54 PM
الاحتلال لا يبدأ دائما بدبابة.. ولا يحتاج إلى علم يُرفع.. أو جندي يقتحم.. أحيانا يبدأ بهدوء خانق.. بخطوة صغيرة فوق حق ليس له.. ثم جلوس طويل فوق وجع غيره.. الاحتلال هو ذلك الشعور بالعجز.. حين ترى ما تملك يُسلب منك وأنت حاضر.. صامت قهرا.. محاصر بنصوص وقوانين وإجراءات لا ترى وجعك.. أن تُصبح غريبا في ما بنيته بسنينك.. وتشعر بأن العدالة تنظر إليك وتطلب منك الصبر.. بينما تطلب الفاتورة منك الدفع..
وفي الجهة الأخرى.. لا يولد المحتل قاسيا بالضرورة.. لكنه مع الوقت يفقد إحساسه.. يعتاد البقاء في مكان لا يستحقه.. يبرر لنفسه.. يُطبع التعدي في داخله.. حتى يصبح أمرا عاديا.. لا يرى في وجع صاحب الحق سوى تفصيل مزعج.. ويعتاد على القول هذا حق مكتسب.. هكذا يموت القلب ببطء.. لا بالشر الصريح.. بل بالاعتياد على أخذه دون وجه حق..
لسنا ملائكة تمشي على الأرض.. وكلنا قد نُحاصر بظرف قاسٍ.. أو ضيق مفاجئ.. وقد نعجز مؤقتا عن الإيفاء بالتزام ما.. لكن الفارق الأخلاقي والإنساني شاسع.. بين مَن تُثقله الظروف فيُبقي باب النية الحسنة مفتوحا.. وبين مَن يتخذ من العقد سلعة مؤقتة.. ومن القانون مظلة للهروب.. ومن صمت المالك غنيمة مستدامة.. هنا لا نتحدث عن تعثر.. بل عن خيانة واضحة لمعنى الاتفاق.. وعن احتلال ناعم لعقار ليس له.. وكأن الأمر الواقع بات حقا مكتسبا لا يُسأل عنه صاحبه..
مشكلة عدم التزام بعض المستأجرين ببنود العقود.. لم تعد حالة فردية عابرة.. بل تحولت إلى كابوس يومي لأصحاب العقارات.. محالا كانت.. أو شققا.. أو حتى أراضٍ.. مستأجر يماطل.. ثم يمتنع.. ثم يغادر أحيانا.. أو يبقى عنوة.. تاركا خلفه ذمما متراكمة من ماء وكهرباء.. ومالكا أعزل.. أمام منظومة معقدة من الإجراءات.. لا يستطيع تأجير عقاره من جديد.. إلا بعد أن يدفع ما لم يستهلكه.. ولا ذنب له فيه.. وكأن الملكية تحولت إلى عبء.. وكأن العدالة تُطالبه بأن يدفع ثمن خطأ غيره.. كي يعود إلى نقطة الصفر..
الأشد إيلاما.. أن كثيرين من هؤلاء لا يضعون أنفسهم يوما مكان المالك.. لا يسألون عن الخسائر.. عن القروض.. عن الالتزامات.. عن سنوات العمل التي تحولت إلى جدران صامتة لا تدر دخلا.. بل يختبئون خلف نصوص قانونية.. وازدحام محاكم.. وكأن القانون وُجد ليكافئ مَن لا يحترم العقد.. لا ليحمي مَن التزم به.. ومع أن تعديلات عديدة طالت قانون المالكين والمستأجرين.. إلا أن الثغرة الأخلاقية ما زالت أوسع من أي نص.. لأن المشكلة ليست في الورق فقط.. بل في غياب أداة ضبط عادلة وشفافة..
وفي بلدان أخرى حاولت مواجهة هذا النوع من الاحتلال الناعم بآليات واضحة.. ففي دبي مثلا.. هناك منصة رسمية موحدة لتوثيق عقود الإيجار.. يظهر فيها تاريخ المستأجر.. والتزامه.. وما إن كانت عليه ذمم.. أو نزاعات قائمة.. لا يستطيع المستأجر القفز من عقار إلى آخر وكأنه يبدل ثوبا..
وفي ذات الوقت.. لا يستطيع المؤجر أن يؤجر لمن عليه التزامات عالقة.. دون أن يتحمل هو نفسه المسؤولية والغرامة.. المنصة لا توثق عقدا لمن عليه ذمم.. والعقد غير الموثق لا قيمة له قانونيا.. بهذه البساطة.. وبهذا العدل البارد الذي يمنع الفوضى قبل أن تولد..
نحن لا نطالب بتجريد الإنسان من إنسانيته.. بل بإيقاظها.. ولا ندعو إلى سحق المستأجر المتعثر.. بل إلى التمييز الواضح.. بين متعثر حسن النية.. ومتنصل متعمد.. ونطالب بمنصة أردنية رسمية تُوثق العقود.. وتربط الحقوق.. وتُظهر الحقيقة دون تشهير.. وتحمي المالك دون ظلم.. وتمنح المستأجر الملتزم ثقلا واعتبارا.. منصة لا تُعقد الحياة.. بل تُنظمها.. وتُخفف عن المحاكم.. وتغلق أبواب التحايل.. وتُسهم في السلم المجتمعي.. لأن الحقوق حين تُصان.. يهدأ الناس..
كلماتي هذه ليست ضد مستأجر.. بل ضد سلوك.. وليست دفاعا عن مالك.. بل عن عقد.. عن كلمة.. عن شرف اتفاق.. فمن يحتل عقار غيره بلا حق.. ويغادره تاركا ديونه خلفه.. لا يختلف كثيرا عن مَن يسرق.. ثم يطلب من الضحية أن تدفع ثمن المسروقات كي تتابع حياتها..
الاحتلال الناعم لا يُهزم بالصراخ.. بل بالعدالة والوضوح.. حين يُوثَّق الحق.. ويُحفظ العقد.. ويُسحب الشرعية عن التعدي.. هنا يتوقف الغاصب.. لا خوفا.. بل لأن الفضاء الذي تحرك فيه اختفى.. المنصة الرسمية العادلة لا تُدين أحدا.. لكنها لا تسمح للاعتداء أن يستمر.. وحين تُحفظ الحقوق.. يعود لكل قلب الحياة.. بعد طول قهر..
وسؤال المليون.. الذي يجب أن يُطرح بجرأة.. إلى متى نُطيل عمر هذه المأساة بالصمت؟!.. وإلى متى يبقى العقد في الأردن.. أضعف من أن يحمي أصحابه؟!..